قاعدة إمكان الأشرف
لمّا كان الاستدلال المتقدّم في الوجه الثالث مبتنياً على قاعدة إمكان الأشرف ، رام المصنّف أن يتعرّض لهذه القاعدة والاستدلال عليها ، لأهمّيتها في نفسها ولابتناء جملة من المسائل الفلسفيّة عليها ، ولأنّها لم يبحث عنها في هذا الكتاب .
وحاصل هذه القاعدة هو أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد ، يلزم أن يوجد الممكن الأشرف قبله .
ولا يخفى أنّ المراد بالإمكان هنا هو الإمكان الوقوعي لا مجرّد الإمكان الذاتي ؛ لأنّ الإمكان الذاتي وإن كان يلازم الإمكان الوقوعي في المجرّدات التامّة ، لكنّه قد يوجد مانع يمنع من وقوعه ، فمثلًا وجود العقل الثاني في مرتبة العقل الأوّل وإن كان ممكناً ذاتاً ، لكنّه يوجد مانع يمنع من تحقّقه ، لاستلزامه لصدور الكثير من الواحد .
ومن الجدِّير بالذِّكر أنّ هذه القاعدة كانت مورد اهتمام واعتناء الحكماء ؛
قال صدر المتألّهين بعد التعرّض لمفادها : « وهذا أصلٌ شريف برهانيّ عظيم جدواه ، كريم مؤدّاه ، كثيرٌ فوائده ، متوفّر منافعه ، جليل خيراته وبركاته ، وقد نفعنا الله سبحانه به نفعاً كثيراً بحمد الله وحسن توفيقه ، وقد استعمله معلّم المشّائين ومفيدهم صناعة الفلسفة في أثولوجيا كثيراً وفي كتاب السماء والعالم حيث قال كما هو المنقول عنه : ( يجب أن يعتقد في العلويات ما هو أكرم ) ، وكذا الشيخ الرئيس في الشفاء والتعليقات وعليه بنى سائر كتبه ورسائله ترتيب نظام الوجود وبيان سلسلتي البدو والعود ، وأمعن في تأسيسه الشيخ الإشراقي إمعاناً شديداً في جميع كتبه كالمطارحات والتلويحات وكتابه المسمّى بحكمة الإشراق حتّى في مختصراته كالألواح العماديّة والهياكل النوريّة