مستقلًّا موجوداً في نفسِه وكونِه رابطاً قائماً بغيرِه موجوداً في غيرِه ، فكلُّ مرتبةٍ مِن مراتبِ الوجودِ متقوّمةٌ بِما فوقَها ، قائمةٌ بِه ، وأخسُّ منه ، ومقوّمةٌ لما دونَها ، مستقلّةٌ بالنسبةِ إليه ، وأشرفُ منه .
فلو فُرضَ ممكنانِ أشرفُ وأخسُّ وجوداً ، كان مِن الواجبِ أن يوجدَ الأشرفُ قبلَ الأخسِّ قبليّةً وجوديّةً ، وإلّا كان الأخسُّ مستقلًّا غيرَ رابطٍ ولا متقوّمٍ بالأشرفِ ، وقد فُرِضَ متقوّماً بِه ، هذا خلفٌ .
والمستفادُ من الحجّتين :
أوّلًا : إنّ كلَّ كمالٍ وجوديٍّ هو أخسُّ من كمالٍ آخرَ وجوديٍّ ، فالأشرفُ منهما موجودٌ قبلَ الأخسِّ ، والأشدُّ منهما قبلَ الأضعفِ ،
كالمرتبتينِ مِن الوجودِ المختلفتينِ شدّةً وضعفاً وإن اختلفتا ماهيّةً ، نظيرَ العقلينِ الأوّلِ والثاني .
فإن كانَ الأخسُّ فرداً مادّيّاً لماهيّةٍ ، فإنّما تفيدُ القاعدةُ أنّ الكمالَ الذي هو مسانخٌ له وأشدُّ مِنه موجودٌ قبلَه ، من غيرِ أن تفيدَ أنّ ذلك الكمالَ الأشدَّ فردٌ لماهيّةِ الأخسِّ ، لجوازِ أن يكونَ جهةً مِن جهاتِ الكمالِ الكثيرةِ في علّةِ كثيرةِ الجهاتِ ، كالإنسانِ مثلًا له فردٌ مادّيٌّ ذو كمالٍ أخسَّ ، وفوقَه كمالٌ إنسانٌّي مجرّدٌ مِن جميعِ الجهاتِ أشرفُ مِنه ، لكن لا يلزمُ مِنه أن يكونَ إنساناً بالحملِ الشائعِ ، لجوازِ أن يكونَ جهةً من جهاتِ الكمال الذي في علّتِه الفاعلةِ ، فينتجُ حملَ الحقيقةِ والرقيقةِ .
نعم ، تجري القاعدةُ في الغاياتِ العاليةِ المجرّدةِ التي لبعضِ الأنواعِ المتعلّقةِ بالمادّةِ ، كالإنسانِ ؛ لقيامِ البرهانِ على ثبوتِها لذويها بالحملِ الشائعِ إذا لم تصادفْ شيئاً مِن الموانعِ الطبيعيّة .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 359
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٥٩