والأفضل يتبع الأفضل من جهات كثيرة ، فيكون إذن العقل الأوّل يلزم عنه بما يعقل الأوّل وجودُ عقل تحته ، وبما يعقل ذاته وجود صورة الفلك الأقصى وكمالها وهي النفس وبطبيعة إمكان الوجود الحاصلة له المندرجة في تعقّله لذاته وجود جرميّة الفلك الأقصى المندرجة في جملة ذات الفلك الأقصى بنوعه .
وكذلك الحال في عقلٍ عقل ، وفلكٍ فلك ، حتّى ينتهي إلى العقل الفعّال الذي يدبّر أنفسنا ، وليس يجب أن يذهب هذا المعنى إلى غير النهاية حتّى يكون تحت كلّ مفارق مفارق ، فإنّا نقول : إنه إنْ لزم وجود كثرة عن العقول ، فبسبب المعاني التي فيها من الكثرة . وقولنا هذا ليس ينعكس حتّى يكون كلّ عقل فيه هذه الكثرة تلزم كثرته هذه المعلولات ، ولا هذه العقول متّفقة الأنواع حتّى يكون مقتضى معانيها متّفقاً » « 1 » .
ذ قوله ( قدس سره ) : « فهناك أنواع متباينة » .
المراد من التباين هنا ليس هو التباين الذي ينسب إلى المشّائين على التفسير المشهوريّ له وإنّما المراد به هو أنّ هذه العقول المجرّدة ليست أفراداً لنوع واحد ، وإنّما هي أنواع بعضها غير البعض الآخر .
ذ قوله ( قدس سره ) : « وهذا الوجه هو الذي يميل إليه المشّاؤون » .
بمعنى أنّ انحصار كثرة العقول في الطوليّة هو الذي يميل إليه المشّاؤون ، وذلك لأنّ هذه الكثرة يعتقد بها الإشراقيّون أيضاً ، إلّا أنّهم لا يحصرونها فيها ، بل يؤمنون بالكثرة العرْضيّة أيضاً كما عرفت .
ذ قوله ( قدس سره ) : « وعلّة فاعلة تامّة الفاعليّة له ، لما أنّ إمكانه الذاتي كافٍ في
صدوره » .
هامش
( 1 ) الإلهيّات من الشفاء ، الفصل الخامس من المقالة التاسعة : ص 439 437 ؛ النجاة من الغرق في بحر الضلالات ، فصل في ترتيب وجود العقول : ص 657 654 .