إذن فلا يصدر منه إلّا واحد ، وهو وجود العقل الأوّل . قال الشيخ : « ولأنّ كون ما يكون عن الأوّل إنّما هو على سبيل اللّزوم ، إذ صحّ أنّ واجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته . وفرغنا من بيان هذا الغرض قبل ، فلا يجوز أن يكون أوّل الموجودات عنه وهي المبدعات كثيراً ، لا بالعدد ولا بالانقسام إلى مادّة وصورة ، بل المعلول الأوّل عقل محض ، لأنّه صورة لا في مادّة ، وهو أوّل العقول المفارقة التي عددناها . ويشبه أن يكون هو هذا المبدأ المحرّك للجرم الأقصى على سبيل التشويق » « 1 » .
الثانية : إنّ العقل الأوّل وإن كان واحداً شخصيّاً إلّا أنّه تلزمه جهات متعدّدة ، هي تعقّله للواجب تعالى ، وتعقّله وجوب وجوده الحاصل له من الله تعالى ، وتعقّله إمكان وجوده .
الثالثة : إنّ هذه الجهات ليست معلولة له تعالى ؛ لأنّ إمكانه ثابت له بذاته لا يحتاج إلى سبب ، وتعقّله الواجب تعالى وتعقّله ذاته ، لا زمان لوجوب وجوده الحاصل له من الله تعالى .
الرابعة : إنّ هذه الكثرة الاعتباريّة فيه ، تمكِّنه من إمكان صدور المعلولات الكثيرة منه ، بنحو لا يتنافى مع قاعدة الواحد .
الخامسة : بناءً على قاعدة أنّ الأفضل يتبع الأفضل ، يصدر من تعقّله الواجب تعالى العقل الثاني ، ومن تعقّله وجوبه بالواجب وجود صورة الفلك الأقصى أي نفسه ومن تعقّله إمكان ذاته جرم الفلك الأقصى أي جرمه وهكذا إلى العقل التاسع الذي يصدر منه العقل العاشر أي العقل الفعّال وفلك القمر بنفسه وجرمه .
السادسة : ولا يذهب الأمر إلى غير النهاية حتّى يكون تحت كلّ مفارق
مفارق .
هامش
( 1 ) الإلهيّات من الشفاء ، الفصل الخامس من المقالة التاسعة : ص 435 .