قال الشيخ : « ولا يمكن في العقول المفارقة شيء من الكثرة إلّا على ما أقول : إنّ المعلول بذاته ممكن الوجود ، وبالأوّل واجب الوجود ، ووجوب وجوده بأنّه عقل ، وهو يعقل ذاته ، ويعقل الأوّل ضرورة ، فيجب أن يكون فيه من الكثرة معنى عقله لذاته ممكنة الوجود في حيّزها ، وعقله وجوب وجوده من الأوّل المعقول بذاته ، وعقله للأوّل .
وليست الكثرة له عن الأوّل ، فإنّ إمكان وجوده أمر له بذاته لا بسبب الأوّل ، بل له من الأوّل وجوب وجوده ، ثمّ كثرة أنّه يعقل الأوّل ويعقل ذاته ، كثرة لازمة لوجوب وجوده عن الأوّل .
ونحن لا نمنع أن يكون عن شيء واحد ذات واحدة ، ثمّ يتبعها كثرة إضافيّة ، ليست في أوّل وجوده ، ولا داخلة في مبدأ قوامه ، بل يجوز أن يكون الواحد يلزم عنه واحد ، ثمّ ذلك الواحد يلزمه حال وحكم أو صفة أو معلول ، ويكون أيضاً واحداً ، ثمّ يلزم عنه بمشاركة ذلك اللّازم شيء ، فتبع من هناك كثرة كلّها تلزم ذاته .
فيجب إذن أن يكون مثل هذه الكثرة هي العلّة ، لإمكان وجود الكثرة فيها عن المعلولات الأولى . ولولا هذه الكثرة لكان لا يمكن أن يوجد منها إلّا وحدة ، ولا يمكن أن يوجد عنها جسم ، ثمّ لا إمكان كثرة هناك إلّا على هذا الوجه فقط .
وقد بانَ لنا في ما سلف أنّ العقول المفارقة كثيرة العدد ، فليست إذن موجودة معاً عن الأوّل ، بل يجب أن يكون أعلاها هو الموجود الأوّل عنه ، ثمّ يتلوه عقل وعقل . ولأنّ تحت كلّ عقل فلكاً بمادّته وصورته التي هي النفس وعقلًا دونه ، فتحت كلّ عقل ثلاثة أشياء في الوجود ، فيجب أن يكون إمكان وجود هذه الثلاثة عن ذلك العقل الأوّل في الإبداع ، لأجل التثليث المذكور
فيه .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 345
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٤٥