أحدُها : أنّ القوَى النباتيّةَ من الغاذيةِ والناميةِ والمولِّدةِ ، أعراضٌ حالّةٌ في جسمِ موضوعِها ، متغيّرةٌ بتغيُّرهِ ، متحلِّلةٌ بتحلُّلهِ ، فاقدةٌ للعلمِ والإدراكِ ، فمن المُحالِ أن تكونَ هيَ المبادئَ الموجِدةَ لهذِه التراكيبِ
العجيبةِ التي لموضوعاتِها والأفعالِ المختلفةِ والأشكالِ والتخاطيطِ الحسنةِ الجميلةِ التي فيها ، مع ما فيها من النظامِ الدقيقِ المتقنِ المحيّرِ للعقولِ ، فليس إلّا أنّ هناكَ جوهراً عقليّاً مجرّداً يعتني بها ويدبّرُ أمرَها ويهديها إلى غاياتِها في الوجود .
وفيه : أنّ هذا الدليلَ لو تمَّ دلَّ على أنّ هذِه الأعمالَ العجيبةَ والنظامَ فيها تنتهي إلى جوهرٍ عقليٍّ ذي علمٍ ، وأمّا قيامُها بجوهرٍ عقليٍّ مباشرٍ لا واسطةَ بينَه وبينَ الجسمِ النباتيِّ فلا ، فمِن الجائزِ أن يُنسبَ ما نسبُوه إلى هذا الجوهرِ العقليِّ ، إلى الصورةِ الجوهريّةِ التي بها يتحقّقُ نوعيّةُ النوع ، وفوقَها العقلُ الفعّالُ الذي هو آخرُ سلسلةِ العقولِ الطوليّةِ .
الثاني : إنّ الأنواعَ الطبيعيّةَ المادّيةَ بما لها من النظامِ الجاري فيها دائماً ليستْ موجودةً عن اتّفاقٍ ، فالأمرُ الاتّفاقيُّ لا يكون دائميّاً ولا أكثريّاً ، فلهذه الأنواعِ عللٌ حقيقيّةٌ ، وليستْ هي التي يزعُمونها مِن الأمزجةِ ونحوها ، إذ لا دليلَ يدلُّ على ذلك ، بل العلّةُ الحقيقيّةُ التي يستندُ إليها كلٌّ منها ، جوهرٌ عقليٌّ مجرّدٌ ومثالٌ كلّيٌّ يعتني به ويوجدُه ، ويدبّرُ أمرَه . والمرادُ بكلِّيَّته استواءُ نسبتِه إلى جميعِ الأفرادِ المادّيةِ التي يسوقُها من القوّةِ إلى الفعلِ ، لا جوازُ صدقِه على كثيرين .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 328
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٢٨