وتتصوّرُ هذِه الكثرةُ على أحدِ وجهينِ : إمّا طولًا وإمّا عرضاً .
فالأوّلُ وهو حصولُ الكثرةِ طولًا أن يوجدَ عقلٌ ثمّ عقلٌ وهكذا ، وكلّما وُجدَ عقلٌ زادتْ جهةٌ أو جهاتٌ ، حتّى ينتهي إلى عقلٍ تتحقّقُ به جهاتٌ من الكثرةِ تفي بصدورِ النشأةِ التي بعدَ نشأةِ العقلِ .
فهناكَ أنواعٌ متباينةٌ مِن العقولِ ، كلٌّ منها منحصرٌ في فردٍ ، هي مترتّبةٌ نزولًا ، كلُّ عالٍ أشدُّ وأشرفُ ممّا هو بعدَه ، وعلّةٌ فاعلةٌ تامّةُ الفاعليّةِ له ، لما أنّ إمكانَه الذاتيَّ كافٍ في صدورِه . وآخرُ هذه العقولِ علّةٌ فاعلةٌ للنشأةِ التي بعدَ نشأةِ العقل .
وهذا الوجهُ هو الذي يميلُ إليه المشّاؤونَ في ما صوّروه مِن العقولِ العشرةِ ، ونسبُوا إلى آخرِها المسمَّى بالعقلِ الفعّالِ إيجادَ عالمِ الطبيعة .
والثاني وهو حصولُ الكثرةِ عَرْضاً بأنْ تنتهيَ العقولُ الطوليّةُ إلى عقولٍ عرْضيّةٍ ، لا علّيةَ ولا معلوليّةَ بينها ، هي بحذاءِ الأنواعِ المادّيّةِ ، يدبّرُ كلٌّ منها ما بحذائِه مِن النوعِ المادِّيِّ ، وبها توجدُ الأنواعُ التي في عالَمِ المادّةِ ، وينتظمُ نظامُه ، وتسمَّى هذهِ العقولُ أربابَ الأنواعِ والمُثُلَ الإفلاطونيّة .
وهذا الوجهُ هو الذي يميل إليه الإشراقيّون ، وذهبَ إليه شيخُ الإشراقِ ، واختارَه صدرُ المتألّهينَ ( قدس سره ) واستُدِلَّ عليه بوجوهٍ :
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 327
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٢٧