تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
للعالم المادّي بنحو يستحيل التفكيك بينهما ، إذن فلما تعلّقت الإرادة الإلهيّة بخلق هذا العالم ، ألم يكن من الأولى عدم وجوده خارجاً ؟ هنا تأتي الأطروحة الأرسطيّة للجواب عن هذه الإشكاليّة ، وذلك بأن يُقال : إنّ عدم خلق الباري تعالى لعالم المادّة يؤدّي إلى منع خيرات كثيرة تفوق شروره ، وهو خلاف الحكمة الإلهيّة والنظام الأصلح ، وذلك لأنّه إذا ما قورنت الشرور التي تنشأ ملازمة لعالم المادّة وتظهر بالتوأم مع خلقه وإيجاده ، فستكون قليلة إذا ما قيست إلى الخيرات التي تترتّب عليها . ويمكن عرض هذه الإجابة من خلال استقراء أنحاء الوجودات الإمكانيّة ، فإنّها بحسب التحليل العقلي على خمسة أقسام : ما هو خيرٌ محض ، وما هو شرٌّ محض ، وما يغلب خيره على شرّه ، وما يغلب شرّه على خيره ، وما يتساوى خيره وشرّه . والقسمان الأخيران لا يوجدان من قبل الله الحكيم ، للزوم تقديم المرجوح على الراجح في الرابع ، والترجيح بلا مرجّح في الخامس ، وبهذا يكون عدم إيجاد ما كان شرّه محضاً ثابتاً بالأولويّة ، فلا يبقى إلّا القسمان الأوّل والثالث . والأوّل من قبيل الملائكة والأنبياء والأولياء الكاملين ، والثالث هو سائر الموجودات التي أوجدها الله تعالى . ومن الواضح أنّ عدم إيجاد هذا القسم من الموجودات أي ما يغلب خيره على شرّه للتخلّص من شرّها القليل ، يلزم منه فقدان الخير الكثير ، وهو باطل لأنّه تقديم للمرجوح على الراجح . ولذا قيل : « إنّ ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل ، شرٌّ كثير » وعليه يحكم العقل بلزوم إيجاد هذا القسم من الموجودات التي يغلب خيرها على شرّها ، وإن خفي عنّا خيرها الكثير ولم نرَ إلّا شرّها القليل . قال المصنّف في تفسيره : « إنّ الأمور على خمسة أقسام : ما هو خيرٌ محض ،
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 282 | السيد كمال الحيدري