تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
تعارض حقّ لحقّ غيره ، أشار إليها المصنّف في تفسيره حيث قال : « ليس المراد بنفي التعارض ارتفاع التنازع والتزاحم من بين الأشياء في عالمنا المشهود ، فإنّما هو دار التنازع والتزاحم ، لا يرى فيه إلّا نار يخمدها ماء ، وماء تفنيها نار ، وأرض يأكلها نبات ، ونبات يأكله حيوان ، ثمّ الحيوان يأكل بعضه بعضاً ، ثمّ الأرض تأكل الجميع . بل المراد أنّ هذه الأشياء على ما بينها من الافتراس والانتهاش تتعاون في تحصيل الأغراض الإلهيّة ، ويتسبّب بعضها ببعض للوصول إلى مقاصدها النوعيّة . فمَثَلَها مثل القدوم والخشب فإنّهما مع تنازعهما يتعاونان في خدمة النجّار في صنعه الباب مثلًا ، ومثل كفّتي الميزان فإنّهما في تعارضهما وتصارعهما يطيعان من بيده لسان الميزان لتقدير الوزن . وهذا بخلاف الباطل كوجود كلال في القدوم أو بخس في المثقال ، فإنّه يعارض الغرض الحقّ ويخيب السعي ، فيفسد من غير إصلاح ويضرّ من غير نفع » « 1 » . هكذا تنتهي هذه الإجابة إلى أنّ وجود الشرور النسبيّة والقياسيّة لا تضرّ أبداً ببديع خلق الله ونظامه الأحسن ، ولا تؤثّر مطلقاً على الهندسة الوجوديّة للكون التي جاءت على أحسن صنع وأتقنه
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
( آل عمران : 191 ) . وهنا لابدّ أن يلتفت أنّ استحالة خلق عالم المادّة من دون تزاحم وتضادّ وشرور ، لا يعني عجزاً في قدرة الواجب تعالى ، وإنّما هو عجز وضعف قابليّة القابل ، وهو عالم المادّة ، وبهذا لا تتعلّق القدرة بها كما تقدّم في بحث القدرة .

لماذا خلق تعالى عالم المادّة ؟

ولكن قد يُقال : إذا كان التزاحم والتضادّ والشرور من الخصائص الذاتيّة
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 11 ص 339 .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 281 | السيد كمال الحيدري