إشكاليّة الشرور بلباس آخر
بعد أن انتهى البحث عن حقيقة الشرّ وثبت أنّه أمرٌ عدميّ ، وأنّ موطنه عالم المادّة والتزاحم ، يمكن طرح هذه الإشكاليّة من زاوية أخرى ، يمكن التعبير عنها بأنّها ترتبط بالهندسة الوجوديّة لهذا العالم . وهي أنّه لماذا جعل الله سبحانه نظام عالم المادّة بنحو تتزاحم فيه هذه الوجودات بحيث ينتهي الحال
إلى بروز هذه الشرور ، حتّى لو كانت هذه الأخيرة شروراً نسبيّة وقياسيّة وليست شروراً نفسيّة ؟ ألم يكن بمقدوره سبحانه أن يصمّم هذا العالم على نحو بحيث لا تقع فيه حتّى هذه الشرور النسبيّة ؟
إذن فالشبهة لم تنقطع بعد ، وما تزال الإشكاليّة قادرة على إعادة إنتاج نفسها ، بإثارة أسئلة جديدة وتوليد إشكاليّات أخرى منبثقة من مقولة الشرور ذاتها .
وهذا ما أشار إليه بعض الأعلام المعاصرين بقوله : « يمكن تقرير الشبهة على النحو التالي ، حتّى مع الإذعان إلى أنّ الشرور ناشئة عن الأعدام ، لكن لماذا لم يخلق العالم على نحو تأخذ فيه الوجودات مكانها بدلًا من الأعدام ، والكمالات بدلًا من الفقدانات ؟ إذن لا يدور الإشكال حول سبب خلق الشرور ، وإنّما يحوم حول السبب الذي منع من أن يُملأ الفراغ الحاصل من الأعدام بخلق الخيرات » « 1 » .
من الواضح أنّ الأطروحة الإفلاطونيّة لا تفي بالجواب على الصياغة الجديدة التي اكتسبتها الإشكاليّة ، لأنّ المشكلة هنا لا تدور حول خلق الشرور حتّى يقال إنّها عدميّة ، ومن ثمّ فهي غير مخلوقة ، وإنّما تكمن في الباعث إلى عدم خلق الخيرات بدلًا من هذه الشرور والأعدام . وبلغة المثال : لماذا لا
هامش
( 1 ) أصول الفلسفة والمنهج الواقعي ، مصدر سابق : ج 5 ص 48 .