تكون الحياة الدائمة بديلًا للموت ؟ والثروة والرفاه بديلين للفقر والحاجة ؟ والقوّة بديلًا للضعف ؟ والصحّة بديلًا للمرض ؟ والجمال بديلًا للقبح ؟ واللذائذ والأفراح بديلين للمصائب والآلام ؟ وهكذا ، أليس الله بقادر على كلّ شيء ، وهو الحكيم الذي يخلق الأشياء على أحسن وجه وأقومه وأتقنه ؟
من هنا حاول الفكر الفلسفي أن يُجيب على هذه الإشكاليّة بطريقة أخرى ، حاصلها : أنّه لا يمكن التفكيك بين عالم المادّة وبين التضادّ والتزاحم ،
فما دام هناك عالم مادّي فلابدّ له وأن يتّسم بالتضادّ والتزاحم . والسبب في ذلك أنّ العالم المادّي ينطوي بالضرورة على الحركة وقابليّة التكامل ، فهو فاقد لشيء ثمّ يكون واجداً له ، وهذا هو معنى التكامل والحركة الذي هو خروج الشيء من القوّة إلى الفعل ، ومن النقص إلى الكمال وعلى هذا فلا معنى لأن يتصوّر أنّ كلّ شيء فيه يبقى على ما هو عليه ، بل مقتضى مادّيته أن يتحرّك صوب التكامل .
إذا كان الأمر كذلك ، فمن الطبيعي أن تتزاحم الموجودات فيما بينها ، فهذه تريد أن تصل إلى كمالها وتلك تريد الغاية ذاتها ، حينئذ يقع التزاحم بينها . فيكون التزاحم والتضادّ من لوازم عالم المادّة وضروراته التي لا تنفكّ عنه .
على هذا فنحن بين خيارين لا ثالث لهما ، إمّا أن نلتزم بعدم وجود هذا العالم حتّى لا تتحقّق فيه هذه الشرور النسبيّة والقياسيّة ، وإمّا أن نلتزم بوجوده ونقبل ما يترتّب على ذلك بالضرورة .
بتعبير آخر : إنّ كلّ شيء في هذا العالم يفعل ما يقتضيه طبعه ويتحرّك على الخطّ الذي أراده الله سبحانه
الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
( طه : 50 ) ، وممّا تقتضيه طبيعة عالم المادّةِ التنازعُ والتزاحم ، لكنّه التنازع الذي يُفضي إلى التكامل ولا يعارض فيه حقّ حقّاً في الآن نفسه . هذه الموازنة الدقيقة التي تجمع في نسيج واحد ونظام فارد بين التزاحم من جهة والتكامل وعدم