تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
الذي يختصّ بعالم المادّة ؛ وليس المقصود من الأمر العدمي في المقام هو العدم اللّازم ؛ لأنّ العدم اللازم هو العدم الذي يقتضيه ذات الشيء ، بسبب عدم قابليّته على وجدان الكمال المقابل لذلك العدم ، من قبيل أنّ عالم المثال لا توجد فيه قابليّة لوجود كمال الوجود العقلي ، وكذلك لا توجد في الوجود العقلي قابليّة الوجدان لكمال الوجود الواجبي وهكذا ، وهذه الأعدام تسمّى أعداماً لازمة لهذه المراتب الوجوديّة ، وعلى هذا فلا تكون تلك الأعدام شرّاً مصطلحاً وإن كانت شرّاً باعتبار آخر ، لأنّ الخير الذي يقابلها لا مجال له في تلك المرتبة ؛ لعدم قابليّة تلك المراتب على وجدان ذلك الكمال ، مع أنّ المفروض أنّ الشرّ أمرٌ عدميّ أي عدم ملكة ، وهو لا يوجد إلّا في الموضع المقابل لذلك الكمال . ثانياً : إنّ الشرّ يقع في عالم المادّة فقط دون عالم المجرّدات ؛ وذلك لأنّ الشرّ هو الأمر العدمي المفارق كما تقدّم ومن الواضح أنّ الأمر المفارق لابدّ أن يكون مسبوقاً بالاستعداد والقبول ، وهما مختصّان بعالم المادّة الذي تتزاحم وتتنازع فيه الأضداد وتجري فيه الحركة التي يلازمها الشرّ ، أمّا عالم المجرّدات فلا يوجد فيها استعداد وقبول ولا تحتاج إلى صورة ومادّة وإنّما تحتاج إلى فاعل فقط ، وحيث إنّ فاعلها هو الواجب تعالى وهو أزليّ أبديّ ثابت لا يتغيّر ، فيكون عالم التجرّد ثابتاً أيضاً بثبات مبدئه . قال صدر المتألّهين : « فتأمّل يا حبيبي لتدرك أنّ الشرّ غير لاحق إلّا لما في طباعه ما بالقوّة ، وذلك لأجل المادّة الجسميّة ، بسبب أنّ وجودها وجود ناقص متهيّئ لقبول الفساد والانقسام والتكثّر وحصول الأضداد والاستحالة والتجدّد في الأحوال ، والانقلاب في الصور ، فكلّ ما هو أكثر براءة من المادّة فهو أقلّ شروراً ووبالًا » « 1 » .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 7 ص 67 .