ثمّ إنّ الشرَّ لمّا كانَ هو عدمَ ذاتٍ أو عدمَ كمالِ ذاتٍ ، كان من الواجبِ أن تكونَ الذاتُ التي يصيبُها العدمُ قابلةً له ، كالجواهرِ المادّيةِ التي تقبلُ العدمَ بزوالِ صورتِها التي هي تمامُ فعليّتِها النوعيّةِ ، وأن تكونَ الذاتُ التي ينعدمُ كمالُها بإصابة الشرِّ قابلةً لفقدِ الكمالِ ، أي أنْ يكونَ العدمُ عدماً طارئاً لها ، لا لازماً لذاتِها ، كالأعدامِ والنقائصِ اللّازمةِ للماهيّاتِ الإمكانيّةِ ، فإنّ هذا النوعَ من الأعدامِ منتزعٌ مِن مرتبةِ الوجودِ وحدِّه .
وبهذا يتبيّنُ أنّ عالمَ التجرّدِ لا شرَّ فيه ، إذْ لا سبيلَ للعدمِ إلى ذواتِها الثابتةِ بإثباتِ مبدئِها ، ولا سبيلَ لعروضِ الأعدامِ المنافيةِ لكمالاتِها التي تقتضِيها ، وهي موجودةٌ لها في بدءِ وجودِها .
فمجالُ الشرِّ ومدارُه هو عالمُ المادّةِ ، التي تتنازعُ فيه الأضدادُ ، وتتمانعُ فيه مختلفُ الأسباب ، وتجري فيه الحركاتُ الجوهريّةُ والعَرضيةُ ، التي يلازمُها التغيّرُ من ذاتٍ إلى ذاتٍ ومن كمالٍ إلى كمالٍ .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 271
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٧١