أين موطن الشرّ في العالم ؟
في هذا المقطع حاول المصنّف إثبات أنّ موطن الشرّ بالمعنى المصطلح إنّما
هو عالم المادّة ، وبنى استدلاله في ذلك على أساس ما انتهى إليه في البحث السابق ، من أنّ الشرّ عدم ملكة لا عدم مطلق ، فيكون الشرّ عدم كمال في موضع من شأنه وجدان ذلك الكمال ، فإنّ عدم الحلاوة مثلًا شرّ بالنسبة إلى التمر لا بالنسبة إلى الحجر ، لأنّ التمر من شأنه أن يتّصف بالحلاوة وليس الحجر .
قال بعض الأعلام المعاصرين : « قد تحقّق أنّ الشرّ أيّاً ما كان ، لا ينفكّ عن جهة عدميّة ، سواء كان الأمر المتّصف بالشرّ ذا جهة واحدة هي بعينها العدميّة كالجهل ، أو كان ذا جهاتٍ وكانت شرّيته راجعة إلى جهته العدميّة . وسواء كان العدم عدماً لكمال أوّل ، به قوام شيئيّة الشرّ ويعبّر عنه بعدم الذات ، أو كان عدماً لكمالٍ ثانٍ يعبَّر عنه بعدم كمال الذات . فكلّما فرض شرّ كان لا محالة هناك أمر عدميّ .
وهذا الأمر العدمي يكون عدماً لملكة هي خير بالذات ، ولابدّ من فرض موضوع يصحّ اتّصافه بهذه الملكة وعدمها . والموضوع الخارجي الذي يعتبر له كمال أوّل أو كمال ثانٍ جائز الزوال لا يكون إلّا من المادّيات ، لأنّ المجرّدات ثابتة بذواتها وكمالاتها ، ولا يصحّ فرض كمال جائز الزوال لها .
فينتج أنّ الشرّ خاصّ بعالم المادّيات حيث يوجد فيه تزاحم الفواعل في التأثير ، ممّا يتأدّى إلى منع بعضها عن التأثير في إعداد شيء آخر لصورة جديدة أو لكمال جديد ، أو إلى فساد صورة وزوال كمال ثان بعد تحقّقهما » « 1 » .
وبهذا يتبيّن أوّلًا : إنّ المقصود بكون الشرّ أمراً عدميّاً هو العدم المفارق
هامش
( 1 ) تعليقة على نهاية الحكمة ، الرقم 458 : ص 472 .