المنافي المنافر للنفس ، وهو أمر عدميّ حاضر عنده بالعلم الحضوري ؛ لوقوع الإدراك حينئذ بنفس واقعيّة المعلوم من غير واسطة في الإدراك .
بيان ذلك : إنّ النفس تدرك الانفصال وقطع اليد بالعلم الحضوري ، والدليل على ذلك بناءً على نظريّة الحكمة المتعالية أنّ النفس في وحدتها كلّ القوى ، فالنفس هي البدن لكن بوجود صاعد ، والبدن هو النفس لكن بوجود نازل ، وبعبارة أخرى : إنّ البدن رقيقة لتلك الحقيقة وهي النفس .
فالنفس حقيقة مجرّدة وظلّها البدن ، وإذا صعد البدن في درجات الوجود يكون نفساً ، والنفس إذا صعدت تكون عقلًا ، والعقل إذا صعد في درجات الوجود يكون طوراً فوق طور العقل ، ولهذا قالوا : عندنا إنسان مادّي وإنسان مثالي وإنسان عقليّ وإنسان إلهيّ ، ومنشأ هذه التنزّلات هو أنّ كلّ مرتبة دانية هي رقيقة المرتبة العالية . هذا على مبنى الحكمة المتعالية ، خلافاً لمبنى المشّاء الذين يرون أنّ النفس شيء وقواها شيء آخر .
على هذا الأساس فإنّ تفرّق الاتّصال تدركه النفس وهو حاضر عندها ؛ لأنّ النفس صورة أخيرة للإنسان جامعة لجميع كمالات النوع الإنساني ، فكمالات بدن الإنسان موجودة في مرتبة النفس بنحو يتناسب مع وجودها ، فالاتّصال الموجود في يد الإنسان مثلًا هو كمال ذلك العضو ، وهو موجود في مرتبة النفس بنحو أعلى وأشرف ، فإذا زال الاتّصال بمرتبته المادّية عن البدن ، سوف يزول هذا الكمال بمرتبته التي عند النفس أيضاً ، وهذا الكمال الزائل في مرتبة النفس هو الذي تدركه النفس بالعلم الحضوري عند الألم ، لا الكمال الزائل في مرتبة البدن المادّية ؛ لأنّ المعلوم بالعلم الحضوري يجب أن يكون مجرّداً .
المقدّمة الثانية
: حقيقة وواقعيّة كلّ شيء بحسبه .
بمعنى أنّ الشيء إذا كان أمراً وجوديّاً ، فحقيقته وواقعيّته هو تحقّقه في