العدم ، وما عداه إنّما يوصف به بالعَرَض حتّى لا يكون بالحقيقة إلّا شرّية واحدة ، وهي صفة العدم بالذات وينسب إلى غيره بالتوسّط كما هو شأن الاتّصاف بالعَرَض فهو وارد ، فافهم » « 1 » بمعنى إن كان مراد الحكماء أنّ الشرّ بالذات أمرٌ عدمي ، فهو منقوض بما تبيّن أنّ الألم شرّ وهو أمر وجوديّ لا عدميّ ، وإن كان المراد أنّ منشأ الشرّ لابدّ أن يكون أمراً عدميّاً ، فلا يرد النقض عليهم ، لأنّ منشأ الألم حينئذ هو الانفصال والتفرّق وهو أمر عدميّ .
إن قيل : إنّ الانفصال وقطع اليد هو الشرّ وهو أمر عدميّ .
قلنا : إن اعتبر ذلك ، فهذا شرّ آخر غير الألم الذي هو أمر وجوديّ .
قد أجيب في كلمات الأعلام عن هذا الإشكال الذي عبّر عنه في الأسفار : أنّه إشكال معضل لم تنحلّ عقدته إلى هذا الوقت « 2 » بوجوه :
الجواب الأوّل
: ينطلق جواب صدر المتألّهين « 3 » من مناقشته للمقدّمة الأولى التي تقدّمت في كلام المستشكل وهي أنّ الألم أمر وجوديّ ، وأنّه غير تفرّق الأجزاء ، وقد اعتمد الجواب على مقدّمات ثلاث :
المقدّمة الأولى
: المتألّم يعلم بقطع إصبعه بعلم حضوريّ
وهذه المقدّمة واضحة ، إذ لو كان مَن قُطع إصبعه يعلمه بعلم حصوليّ ، وبواسطة حصول صورة الألم في الذهن ، فمن الطبيعيّ أن لا يحصل لديه شعور بالألم والتأثّر بالقطع ، والشاهد على ذلك أنّ الإنسان لو علم أنّ غيره قطع إصبعه ، لا يتألّم بعين ألم المصاب نفسه ، وإن حزن لذلك ، والسبب في ذلك هو أنّ الذي حصل عنده إنما هو صورة الألم لا عين الألم . إذن المتألّم بقطع الإصبع يعلمه بعلم حضوريّ لا حصوليّ ، وهو نفس الألم الذي هو إدراك
هامش
( 1 ) نقلًا عن الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 7 ص 63 .
( 2 ) المصدر نفسه : ج 7 ص 62 .
( 3 ) المصدر نفسه : ج 7 ص 62 ص 63 .