الخيرات الوجوديّة ، وهي كمالات لأشياء طبيعيّة ، بل لقوى حيوانيّة وطبيعيّة موجودة في الإنسان . وإنّما شرّيّتها بالقياس إلى قوّة شريفة عالية شأنها في الكمال أن تكون قاهرة على ما تحتها من القوى غير خاضعة ولا مذعنة إيّاها .
وكذلك الأخلاق الذميمة كلّها كمالات للنفوس السبعيّة والبهيميّة ، وليست بشرور للقوى الغضبيّة والشهويّة ، وإنّما شرّ هذه الأخلاق الرذيلة بالقياس إلى النفوس الضعيفة العاجزة عن ضبط قواها عن الإفراط والتفريط وعن سوقها إلى مسلك الطاعة للتدبير الأتمّ الذي ينوط به السعادة الباقية .
وكذا شرّية هذه الأفعال الذميمة كالزنا والظلم بالنسبة إلى السياسة البدنيّة أو المدنيّة ، والظلم إنّما هو شرّ بالنسبة إلى المظلوم على الوجه الذي عرفته ، وأمّا بالنسبة إلى الظالم من حيث هو ظالم فليس بشرّ إلّا بكونه ذا قوّة نطقيّة ، فيتضرّر به أزيد ممّا يتضرّر به المظلوم في أكثر الأمر .
فإذا تصفّحت جميع الأشياء الموجودة في هذا العالم المسمّاة عند الجمهور شروراً ، لم تجدها في أنفسها شروراً ، بل هي شرور بالعرض ، خيرات بالذات ، كما مرَّ بيانه .
والغرض من ذكر هذه الأمثلة ، ليس الاستدلال على هذا المطلب من جهة الاستقراء أو التمثيل ، بل لدفع النقوض بإيرادها ، وليتّضح الفرق بين الشرّ بالذات والشرّ بالعَرَض ، ويزول الاشتباه بين الأمرين وينكشف أنّ الشرّ في كلّ ما يعدّونه شرّاً ، يرجع إلى الأمر العدمي ، وإلّا فالبرهان الذي مرَّ بيانه في أوّل هذا الفصل ، وربما يُدعى البداهة في هذا المطلوب ، والمذكور من الأمثلة
للتنبيه والتذكير » « 1 » .
ومن المصاديق الأخرى لهذا القسم من الشرور : السيّئات والمصائب ؛ قال المصنّف في تفسيره : « إنّ هذه المصائب إنّما هي سيّئات نسبيّة ، بمعنى أنّ
هامش
( 1 ) المصدر نفسه .