كان الشرّ عادماً لكمالات نفسه يكون خلاف العناية الإلهيّة التي أعطت كلّ شيء هدايته للوصول إلى كماله المطلوب له .
أمّا بطلان الاحتمال الثالث وهو أن لا يعدم نفسه ولا كمالات نفسه فهو باطل أيضاً ، لأنّ ما فرض أنّه شرّ ليس بشرّ .
أمّا بطلان الشقّ الثاني من التالي وهو أن يكون شرّاً لغيره فلأنّ الشرّ الذي هو أمرٌ وجودي بالفرض شرّ لغيره فهو إمّا بكونه معدماً لذات ذلك الغير ، أو معدماً لشيء من كمالاته ، أو أنّه ليس معدماً لا لذاته ولا لشيء من كمالاته .
الأوّل والثاني غير جائزين ، فإنّ الشرّ يكون حينئذ هو عدم ذلك الشيء أو عدم شيء من كمالاته دون الشيء المعدِم المفروض . وهذا خلف .
والثالث غير جائز أيضاً ، لأنّه إذا لم يعدم شيئاً لا ذاتاً ولا كمال ذات ، فلا يجوز عدّه شرّاً ، وذلك لأنّ ما لا يوجب عدم شيء ولا عدم كماله ، فإنّه لا يكون شرّاً له لعدم استضراره به . وهكذا تكون النتيجة أنّ الشرّ ليس بوجوديّ كيفما فرض ، وهو المطلوب .
الثاني : دليل الاستقراء
ذكر المصنّف استدلالًا آخر على كون الشرّ أمراً عدميّاً ، يتمثّل بالاستقراء ، فإنّنا عندما نتأمّل الأمور التي يطلق عليها شرّ ، نجد أنّها إمّا تعدم أصل وجود الشيء ( كان التامّة ) وإمّا تعدم كمالات الشيء ( كان الناقصة ) . فلو أخذنا مثال القتل لرجل ظلماً وعدواناً ، فإنّ عمليّة الضرب من قبل القاتل كمال للقاتل ، وليس شرّاً لأنّ القدرة على القتل كمال للقاتل لا شرّاً له ، وكذلك حدّة السيف ، فهي كمال للسيف ، كما هو واضح ، وأمّا لين رقبة المقتول ، فهي كمال
لبدنه وليس شرّاً ، وهكذا بقيّة جوانب الفعل .
إذن لا يبقى إلّا أن يكون الشرّ هو إزهاق حياة المقتول وخروجها عن