شروع في الاستدلال على عنايته تعالى بالبرهان اللمّي ، إذ هو في الحقيقة استدلال بالعناية الذاتيّة التي هي وجه من وجوه علمه على العناية الفعليّة كما عرفت سابقاً وذلك لأنّ العناية الذاتيّة هي علّة للعناية الفعليّة ، أي العناية في مقام الفعل .
ذ قوله ( قدس سره ) : « بكلّ شيء ممكن يستقرّ فيه » .
إمّا أن يكون المراد من استقرار الممكن في الواجب ، الإشارة إلى قاعدة أنّه بسيط الحقيقة ، وبسيط الحقيقة كلّ الأشياء ، أو المراد أنّ الممكنات بعد وجودها مستقرّة فيه تعالى ، لأنّها وجودات رابطة ، والوجود الرابط موجود في غيره ، ولا غير لها إلّا الواجب تعالى ، والمقصود من الإمكان هنا هو الإمكان الفقري ، لأنّ الممكن الفقير ، في دائرة وجود الغني ، غير خارج عنه .
ذ قوله ( قدس سره ) : « علمه الذي هو عين ذاته علّة لما سواه » .
لمّا كان عالماً بالعالم على النظام الأحسن الأتقن الأحكم قبل إيجاده ، وكان علمه عين ذاته ، وذاته علّة للعالم ، كان علمه بالعالم على النظام الأحسن علّة للعالم ، فلابدّ أن يوجَد العالم على أحسن نظام وأتقنه ، وهذا هو المصطلح عليه في الحكمة المشائيّة بالفاعل بالعناية ، كما تقدّم في أقسام الفاعل . « 1 » ولا يخفى أنّ وصف العلم بأنّه « عين ذاته » هو من الوصف المشعر بالعلّية ، فعلّة كون علمه تعالى علّة لما سواه هو أنّه عين ذاته التي هي علّة لما سواه .
ذ قوله ( قدس سره ) : « والمشهور من النظام العامّ الجاري في الخلق . . . » .
إشارة إلى البيان الإنّي لإثبات عنايته تعالى بالخلق ، حيث إنّ النظم والمصالح والروابط العجيبة ، من آثار العناية الفعليّة ، ولا تزال معرفة الإنسان تزداد بجودة الخلق وحسن النظام وإتقان الصنع وكمال التدبير ودقائق
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : الفصل السابع من المرحلة الثامنة : ص 173 .