بعبارة أُخرى ، بما أنّ حقيقة الوجود واحدة مشكّكة كما تقدّم فتكون جميع مراتبها ذات حقيقة واحدة ، وإن اختلف بالشدّة والضعف ، وعلى هذا فإنّ جميع الكمالات وما لها من جمال التي في المرتبة العليا من حقيقة الوجود ، موجودة في المراتب الأُخرى دونها ، لكن بنحو أضعف ، ومن هنا يتّضح أنّ
عالم العقل الذي هو أعلى مراتب عالم الإمكان أحسن نظام ممكن ، ثمّ عالم المثال ، ومن بعده يأتي عالم المادّة الذي هو أضعف مراتب الوجود .
إذن نظام الخلق أحسن نظام ممكن ولا يمكن أن يوجد أفضل منه ؛ لأنّه رقيقة علمه تعالى الذاتي الذي لا يعزب عنه شيء .
تعليقات على المتن
ذ قوله ( قدس سره ) : « الفاعل العلمي الذي لعلمه دخل في تمام عليّته الموجبة » .
الفاعل العلمي ليس مطلق الفاعل العالم ، بل الفاعل الذي لعلمه دخل في فعله .
ذ قوله ( قدس سره ) : « وهذا المعنى هو المسمّى بالعناية » .
فالعناية هي : اهتمام الفاعل بفعله حتّى يتحقّق على وجه الخير أو على أحسن وجوهه إذا كانت هناك وجوه من الخير . لكن عناية الإنسان وذوي النفوس بأفعالهم إنّما تكون لأجل ما يتوخّون من منافع تعود إليهم ، وذلك لفقدانهم تلك المنافع والكمالات . وأمّا المجرّد التامّ فحيث إنّه واجد في ذاته لكلّ كمال ممكن الحصول له ، فلا يتوخّى منفعة من فعله لأجل الاستكمال به .
إذن فالعناية لا تستلزم بالضرورة أن تكون ناشئة من استكمال الفاعل بفعله ، وإنّما قوامها بشكل عامّ يكون بالفاعليّة ، وعلم الفاعل بفعله الذي يكون لعلمه دخل في تمام علّيته ، وحبّه للفعل التابع لحبّ ذاته .
وهذه الأمور الثلاثة ثابتة في الواجب تعالى ، فتثبت عنايته سبحانه بخلقه .
ذ قوله ( قدس سره ) : « لكن لمّا كان له علم ذاتيّ بكلّ شيء » .