تعقيب على استدلال المصنّف
يمكن التعقيب على هذا الاستدلال بالقول إنّ غاية ما يثبته هو أنّ هذا النظام الجاري في الخلق هو نظام حسن متقن ، لكنّه لا يثبت أنّ هذا النظام هو
الأحسن والأصلح ولا يوجد نظام أحسن منه .
إن قيل : إنّ ما نلمسه من وجود الشرور في هذا العالم لا يتلاءم مع القول بالعناية الإلهيّة بمخلوقاته ؟
فالجواب على ذلك : إنّه لا يمكن أن يوجد عالم المادّة من دون وجود للشرور ، وإن وجدت شرور فهي شرور قليلة بالقياس إلى الخيرات الكثيرة ، وسيأتي تفصيل هذه المسألة في الفصل الثامن عشر إن شاء الله تعالى .
نظام الخلق أتقن نظام لأنّه رقيقة العلم الإلهيّ
بعد أن أثبت المصنّف عناية الباري تعالى بعالم الخلق من خلال البرهانين اللمّي والإنّي ، عاد مجدّداً ليؤكّد البرهان اللمّي بتوضيح أكثر .
ومن الجدير بالذِّكر أنّ من المنطقيّ أن نذكر هذا التوضيح عقيب البرهان اللمّي مباشرة ، لكن حفاظاً على تسلسل الأبحاث في المتن ذكرناه هنا .
وفي هذا البيان يشير المصنّف إلى أنّ سبب كون نظام الخلقة أتقن نظام وأحكمه يعود إلى أنّه رقيقة العلم الذاتي للواجب تعالى .
بيان ذلك : تقدّم في الفصل الثالث من المرحلة التاسعة أنّ الوجود ينقسم عقلًا من حيث التجرّد وعدمه إلى وجود مادّي ووجود غير مادّي ، والوجود غير المادّي ينقسم إلى وجود مجرّد تامّ وإلى مجرّد غير تامّ ، فعوالم الوجود ثلاثة وهي :
1 عالم المادّة والقوّة .
2 عالم التجرّد عن المادّة دون آثارها من الشكل والمقدار والوضع . . .