العقليّة ، فمن الواضح أنّ دلالة الدخان على النار أقوى من دلالة لفظ زيد على الشخص الفلاني .
ولا يخفى أنّ ظاهر البيان المتقدّم هو إثبات الكلام الفعلي ، أي الكلام في مقام الفعل لا في مقام الذات ، لأنّ المخلوقات على هذا تكون كلاماً وكلمات ، وخلقها وإيجادها يكون تكلّماً وكلاماً .
هل الكلام صفة ذاتيّة أيضاً ؟
تقدّم أنّ الصفات الذاتيّة كالعلم والقدرة والحياة دالّة على الذات المتّصفة بها ، لأنّ الصفات كاشفة عن الذات ، وحيث إنّ الصفات الذاتيّة عين الذات المقدّسة ، فتكون الصفات كلاماً للذات المقدّسة من جهة كاشفيّتها عن الذات .
ويمكن الاستعانة بمباني المدرسة العرفانيّة لتوضيح أنّ الكلام صفة ذاتيّة للحقّ تعالى ، بأن يُقال : إنّ مقام الواحديّة في الصقع الربوبي وهو مقام الأسماء والصفات ولوازمها من الأعيان الثابتة لا يخلو من كثرة ما ، وهو كاشف عن مقام الأحديّة ، الذي لا يوجد فيه أيّ نحو من أنحاء الكثرة ، فينطبق ضابط الكلام عليه ، حيث إنّ مرتبة وجوديّة تكشف كشفاً وجوديّاً عن مرتبة أخرى .
ولعلّ هذا هو مراد الآملي معلّقاً على كلام السبزواري عندما قال : « فمنه ما قد كان عين الذات » ؛ قال : « الكلام الدالّ هو الوجود المجرّد عن المجالي والمظاهر علت كلمته والمدلول هو ذاته تعالى . فالدالّ والمدلول في دلالته على ذاته واحد
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
« 1 » .
ولعلّ في جملة من النصوص الروائيّة ما يؤيّد هذا المعنى ، كما ورد في دعاء الصباح : «
يا مَنْ دلَّ على ذاته بذاته
» .
هامش
( 1 ) غرر الفوائد : ج 2 ، ص 73 .