هذا الكون كونٌ آخر ومنها ما ليس يجب فيه أن يسبقه كون آخر ، فالقسم الأوّل كالأجسام الحيّة فإنّ كونها ذات حياة إنّما يطرأ عليها بعد كون آخر له يسبق هذا الكون الحيواني . . . وأمّا القسم الثاني فهو في ما يخرج عن الأجسام ، فإنّ ما ليس بجسم لا يمتنع فيه أن يكون وجوده بعينه هو كونه بالصفة المذكورة . . . وواجب الوجود أولى بأن يكون حياته عين وجوده لكونه بسيط الحقيقة » « 1 » .
وقد ذكر المصنّف دليلًا آخر في بداية الحكمة مبتنياً على قاعدة معطي الشيء غير فاقد له ، فحيث إنّ الواجب تعالى أعطى وأفاض الحياة على المخلوقات ، ينتج أنّه تعالى متّصف بالحياة بنحو أعلى وأشرف ، لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه .
تعليقات على المتن
ذ قوله ( قدس سره ) : « كون الشيء بحيث يدرك ويفعل » .
المقصود من ذلك أنّه يفعل فعلًا ناشئاً عن إدراكه واختياره ، فالحياة مبدأ الإدراك والقدرة على الفعل ، وهذا لا ينافي انفكاك العلم والقدرة عن الحياة ؛ لأنّ كون الشيء مبدأً للفعل ، لا يستلزم وجود ذلك الفعل دائماً ؛ لأنّ المبدأ هو الفاعل والمقتضي وليس علّة تامّة ، فالحياة مبدأ العلم والقدرة ، بمعنى أنّ من
اتّصف بالحياة له شأنيّة الإدراك والفعل الاختياري ، سواء أدرك وفعل أم لا .
ذ قوله ( قدس سره ) : « الإدراك الحسّي الزائد على الذات » .
تبيّن في ثنايا البحث أنّ الإدراك الحسّي هو اللّمس وليس المراد بالإدراك الحسّي جميع أقسامه من البصر والسمع والشمّ والذوق . . . لأنّ هذه الأقسام قد يوجد بعضها عند بعض الحيوانات ، وبعضها الآخر عند حيوانات أخرى ،
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 417 .