إذ التركيب مستلزم للإمكان والافتقار ؛ لاحتياج المركّب في قوام وجوده إلى غيره ، والإمكان ضربٌ من العدم المقابل للوجود ، والموت المقابل للحياة ، والدثور المقابل للبقاء ، فالحيّ الحقيقي ما لا يكون فيه تركيب قوى ، وقد صحّ أنّ واجب الوجود بسيط الحقيقة أحديّ الذات والصفة ، فردانيّ القوّة والقدرة ، وأنّ نفس تعقّله للأشياء نفس صدورها عنه ، وأنّ معنى واحداً بسيطاً منه عقل للكلّ ومنشأ للكلّ ، فهو أحقّ وأليق باسم الحياة من جميع الأحياء . كيف ؟ وهو محيي الأشياء ومُعطي الوجود وكمال الوجود كالعلم والقدرة لكلّ ذي وجود وعلم وقدرة » « 1 » .
فالحياة في الممكن والواجب مفهوم واحد وهو كون الشيء على نحو يدرك ويفعل ، إلّا أنّ التفاوت بين الحياة في الممكن والحياة عند الواجب في المصداق . فالواجب تعالى تكون الحياة عين ذاته ، لا أنّ ذاته شيء والحياة عارضة عليه ، أمّا الممكن فالحياة ليست عين ذاته وإنّما هي عارضة عليه .
الدليل الثاني : ويمكن تقريبه من خلال مقدّمتين :
المقدّمة الأولى : إنّ الحياة كمال وجوديّ .
كما هو واضح ، بل هي من أعظم الكمالات .
المقدّمة الثانية : إنّ الواجب تعالى لا يشذّ عنه كمال من الكمالات .
كما تقدّم في الفصل الأوّل من هذه المرحلة ، من أنّ كلّ كمال مفروض ،
فالواجب تعالى له أعلى مراتبه ، وأنّه عين ذاته تعالى .
النتيجة : الواجب تعالى حيّ بذاته .
وإلى ذلك أشار صدر المتألّهين بقوله : « واعلم أنّ حياة كلّ حيّ إنّما هي نحو وجوده ، إذ الحياة هي كون الشيء بحيث يصدر عنه الأفعال الصادرة عن الأحياء من آثار العلم والقدرة ، لكن من الأشياء الحيّة ما يجب فيه أن يسبق
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 413 .