تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
الله بالأشياء معدومها وموجودها وواجبها وممكنها ومحالها ، فما ثمّ على ما قرّرناه كتاب يسبق إلّا بإضافة الكتاب إلى ما يظهر به ذلك الشيء في الوجود على ما شهده الحقّ في حال عدمه ، فهو سبق الكتاب على الحقيقة ، والكتاب سبق وجود ذلك الشيء ويعلم ذوق ذلك من علم الكوائن قبل تكوينها ، فهي له مشهودة في حال عدمها ولا وجود لها ، فمن كان له ذلك ، علم معنى سبق الكتاب ، فلا يخف سبق الكتاب عليه ، وإنّما يخاف نفسه ، فإنّه ما سبق الكتاب عليه ولا العلم إلّا بحسب ما كان هو عليه من الصورة التي ظهر في وجوده عليها ، فلُمْ نفسك لا تعترض على الكتاب . ومن هنا إن عقلت وصف الحقّ نفسه بأنّ له الحجّة البالغة لو نُوزع ، فإنّه من المحال أن يتعلّق العلم إلّا بما هو المعلوم عليه في نفسه ، فلو احتجّ أحد على الله بأن يقول له : علمك سبق فيّ بأن أكون على كذا فلِمَ تؤاخذني ؟ يقول له الحقّ : هل علمتك إلّا بما أنت عليه ، فلو كنت على غير ذلك لعلمتك على ما تكون عليه ، ولذلك قال : « حتّى تعلم » فارجع إلى نفسك وأنصف في كلامك ، فإذا رجع العبد على نفسه ونظر في الأمر كما ذكرناه علم أنّه محجوج وأنّ الحجّة لله تعالى عليه ، أما سمعته تعالى يقول :
وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
( آل عمران : 117 ) وقال :
وَما ظَلَمْناهُمْ
( هود : 101 ) ، وقال :
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
( البقرة : 57 ) ، كما قال :
وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ
( الزخرف : 76 ) ؛ يعني أنفسهم فإنّهم ما ظهروا لنا حتّى علمناهم وهم معدومون إلّا بما ظهروا به في الوجود من الأحوال ، والعلم تابع للمعلوم ما هو المعلوم تابع للعلم فافهمه . وهذه مسألة عظيمة دقيقة ما في علمي أنّ أحداً نبّه عليها إلّا إن كان وما وصل إلينا ، وما من أحد إذا تحقّقها يمكن له إنكارها ، وفرق يا أخي بين كون الشيء موجوداً فيتقدّم العلم وجوده وبين كونه على هذه الصور في حال عدمه