زيداً سيختار الفعل فعندئذ يكون ما يريده تعالى منذ الأزل هو الفعل ، أمّا إذا ما كان في علمه تعالى أنّ زيداً سيختار الترك ، فعندئذ يكون ما يريده تعالى أزلًا هو الترك .
أي أنّ علم الواجب الأزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل من فاعله على وجه الإطلاق ، وإنّما تعلّق علمه تعالى بصدور كلّ فعل من فاعله على وفق الخصوصيّات الموجودة فيه ، وعلى هذا نقول : إنّ تعلّق علمه تعالى الأزلي بصدور الفعل من زيد بنحو يكون الاختيار جزءاً من مقدّمات وقوع الفعل ، فلو وقع الفعل من دون اختيار لانقلب علم الواجب جهلًا ، وهو مُحال .
وإلى ذلك أشار المصنّف في حاشيته على الأسفار بقوله : « ولا يستشكل بلزوم الجبر في الأفعال الاختياريّة فإنّ العلم الأزلي متعلّق بكلّ شيء على ما هو عليه ، فهو متعلّق بالأفعال الاختياريّة بما هي اختياريّة ، فيستحيل أن تنقلب غير اختياريّة . وبعبارة أخرى : المقتضي هو أن يصدر الفعل عن الفاعل الفلاني اختياراً ، فلو انقلب الفعل من جهة تعلّق هذا القضاء به غير اختياري ، ناقض القضاء نفسه » « 1 » .
وقال صدر المتألّهين : « فالحقّ في الجواب أن يُقال إنّ علمه وإن كان سبباً مقتضياً لوجود الفعل من العبد لكنّه إنّما اقتضى وجوده وصدوره المسبوق بقدرة العبد واختياره لكونها من جملة أسباب الفعل وعلله ، والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار ، بل يحقّقه ، فكما أنّ ذاته تعالى علّة فاعلة لوجود كلّ موجود ووجوبه ، وذلك لا يبطل توسيط العلل والشرائط وربط الأسباب بالمسبّبات ، فكذلك في علمه التامّ بكلّ شيء الذي هو عين ذاته كما في العلم البسيط والعقل الواحد أو لازم ذاته كما في العلم المفصّل والعقول
الكثيرة » « 2 » .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، تعليقة العلّامة الطباطبائي رقم ( 2 ) : ج 6 ص 318 .
( 2 ) المصدر نفسه : ج 6 ، ص 385 .