تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
تنبيهٌ : استدلالهُم على الجبرِ في الأفعالِ بتعلُّقِ علمِ الواجبِ تعالى بها وتعيُّنِ وقوعِها بذلك ، استنادٌ منهم في الحقيقةِ إلى القضاءِ العلميّ الذي يحتّمُ ما يتعلّقُ به من الأمور ، وأمّا الإرادةُ التي هي صفةٌ ثبوتيةٌ زائدةٌ على الذات عندَهم ، فإنّهم لا يرونَها مبدأً للفعل موجباً له ، زعماً منهم أنّ وجوبَ الفعل يجعلُ الفاعلَ موجَباً ( بفتح الجيم ) والواجبُ تعالى فاعلٌ مختار ، بل شأنُ الإرادة أن يرجّح الفعلَ بالأولويّة من غيرِ وجوبٍ ، فللإرادةِ أن يخصِّصَ أيَّ طرفٍ من طرفَي الفعلِ تعلّقتْ به . وهذه آراءٌ سخيفةٌ تبيّنَ بطلانُها بما تقدّمَ بيانُه من الأصولِ الماضيةِ . فالوجوبُ الذي يلحقُ المعلولَ وجوبٌ غيريٌّ منتزعٌ من وجودِه الذي أفاضَتْهُ علّتُه وهو أثرُها ، فلو عادَ هذا الوجوبُ وأثّرَ في العلّةِ بجعلِها موجَبةً في فاعليّتِه لزمَ كونُ المتأخّرِ وجوداً ( من حيثُ هو متأخّرٌ ) متقدِّماً على المتقدّمِ وجوداً ( من حيثُ هو متقدِّمٌ ) ، وهو محالٌ ، على أنّ الفاعلَ المختارَ لو عادَ موجباً ( بالفتح ) بسببِ وجوبِ الفعلِ لم يكنْ في ذلك فرقٌ بين أنْ يستندَ وجوبُ المعلولِ إلى علمٍ سابقٍ وقضاءٍ متقدّمٍ أو إلى إيجابِ الفاعلِ للفعلِ الذي هو مفادُ قولِنا : ( الشيءُ ما لم يجبْ لم يوجَدْ ) . وأيضاً قد ظهرَ ممّا تقدّمَ أنّ الترجيحَ بالأولويّةِ مرجعُه إلى عدمِ حاجةِ الممكنِ في تعيّنِ أحدِ طرفَيِ الوجودِ والعدمِ إلى المرجِّحِ ، لبقاءِ الطرفِ المرجوحِ على حدِّ الجوازِ مع وجودِ الأولويّةِ في الطرفِ الراجحِ وعدمِ انقطاعِ السؤالِ ب ( لِمَ ) بعدُ . وأيضاً الترجيحُ بالإرادةِ معَ فرضِ استواءِ نسبتِها إلى طرفَيِ الفعلِ والتركِ مرجعُه إلى عدمِ الحاجةِ إلى المرجّحِ .