الغرض من التنبيه
غرض المصنّف من عقد هذا التنبيه هو الإشارة إلى أنّ بعض الأشاعرة لم يستدلّوا على كون الإنسان مجبوراً في أفعاله الاختياريّة بإرادة الواجب تعالى ، وإنّما استدلّوا بالعلم الأزلي بالتقريب المتقدِّم ؛ والسبب في عدم استدلالهم بإرادة الواجب تعالى هو لأنّ الاستدلال بالإرادة الأزليّة يلزم منه أن يكون الواجب تعالى موجَباً بالفتح وهو محال . وهذا بخلاف الاستدلال بالعلم الأزلي للواجب تعالى وهو القضاء العلمي فإنّه لا يؤدّي إلى صيرورة الواجب تعالى موجَباً ومجبَراً بالفتح .
وقد ذكروا أنّ وظيفة إرادة الواجب تعالى هو ترجيح الفعل بالأولويّة أي أولويّة وقوع الفعل منه تعالى من غير وجوب وتعيّن للفعل لأحد الطرفين ، لئلّا يلزم أن يكون الفاعل موجَباً ، هذا حاصل ما زعموه .
جواب المصنّف
حمل المصنّف على مثل هذه الآراء بأنّها آراء سخيفة على حدّ قوله واضحة البطلان ، لما تقدّم بيانه من الأصول الحكميّة المتقدِّمة في بحث الأولويّة وفي بحث العلّة والمعلول ، وقد أجاب المصنّف على هذا المدّعى بجوابين أحدهما حلّي والآخر نقضي :
الجواب الأوّل ، وهو الجواب الحلّي ، حاصله : أنّ وجوب الفعل بعد تحقّقه هو وجوب غيريّ منتزع من وجود المعلول ، وإذا كان كذلك يكون وجوباً متأخّراً عن وجود العلّة ، فيستحيل أن يكون مؤثّراً في العلّة ؛ لأنّه يلزم أن يكون المتأخّر بما هو متأخّر متقدِّماً على المتقدّم وجوداً من حيث هو متقدّم ، وهو محال ، أمّا كون تقدّم المتأخّر تقدّماً له من حيث هو متأخّر ؛ فلأنّ المعلوليّة مساوقة لتأخّر الوجود ، ومعلوليّة المعلول مساوقة لوجوده ، فتقدّمُ وجود