أي إنّ الله تعالى إذا علم بصدور الفعل من العبد فيستحيل أن لا يقع الفعل ، لكن علمه تعالى تعلّق بصدور الفعل من العبد بما أنّه قادر مختار في إيجاد الفعل ، لأنّه تعالى أراد من الأزل أن يخلق مخلوقاً يملك الاختيار في الفعل والترك ، وبذلك تكون هذه القدرة والاختيار من العبد من جملة أسباب الفعل وعلله .
وبهذا يتّضح أنّ علم الله تعالى بوقوع الفعل من الإنسان لا ينافي اختيار الإنسان في الفعل والترك ، لأنّ العلم الإلهي الأزلي تعلّق بصدور الفعل ، حينما علم الواجب تعالى بإرادة الإنسان لذلك الفعل أزلًا ، وتعلّق علمه تعالى بالترك حينما أراد الإنسان الترك وعلم الله تعالى منه ذلك أزلًا ، وعلى هذا فلا موضع للجبر في الفعل والترك على الرغم من العلم الأزلي الإلهي بذلك .
الجواب الحَلّي :
وهذا الجواب الحَلّي لم يذكره المصنّف ، وحاصله :
إنّ علم الواجب تعالى بالنسبة لأفعال الإنسان أتابع أم متبوع ؟
من الواضح أنّ علم الواجب تعالى بالنسبة لأفعال الإنسان الاختياريّة هو تابع لا متبوع ، أي أنّ علمه تعالى تابع لنحو تحقّق ذلك المعلوم في الخارج . فما علمه تعالى من الإنسان منذ الأزل ، علمه تعالى وأراده منه ، فلو علم تعالى من الإنسان غير ذلك ، لكان علمه تعالى على حسب ما أراده الإنسان .
وهذا ما يصرّح به الفلاسفة والعرفاء من أنّ علم الحقّ تعالى تابع لإرادة الإنسان .
قال ابن العربي في « الفتوحات المكّية » : « إعلم أنّ الله تعالى ما كتب إلّا ما علم ، ولا علم إلّا ما شهد من صور المعلومات على ما هي عليه في أنفسها ، ما يتغيّر منها وما لا يتغيّر ، فيشهدها كلّها في حال عدمها على تنوّعات تغييراتها
إلى ما لا يتناهى ، فلا يوجدها إلّا كما هي عليه في نفسها ، فمن هنا تعلم علم
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 169
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٦٩