مناقشة الدليل الثاني
وهو ما استدلّ به المعتزلة من أنّنا نرى بالوجدان أنّ أفعالنا تُسند إلينا فإن شئنا فعلنا وإن لم نشأ لم نفعل .
وحاصل المناقشة أنّ الإرادة الإلهيّة لم تتعلّق بصدور فعل الإنسان منه مباشرةً وبلا واسطة وإنّما تعلّقت بصدور الفعل بجميع شؤونه وخصوصيّاته الوجوديّة
من شرائط وقيود ، ومن جملة هذه الخصوصيّات التي تعلّقت بها الإرادة الإلهيّة بفعل الإنسان الاختياري هو صدوره عن اختيار من قبل الإنسان ، فلو لم يصدر ذلك الفعل عن اختيار لتخلّف متعلّق الإرادة عن المراد .
بعبارة أخرى : إنّ فعل الإنسان الاختياري لا يقع في ملكه تعالى إلّا بإرادته ، لكن مع جميع مقدّمات ذلك الفعل التي منها أن يكون الإنسان مختاراً في فعله ، فمتعلّق مشيئته بأفعال العباد بمعنى أنّ اختيار الإنسان مراد منه تعالى .
بيان كيفيّة صدور الفعل عن اختيار
إنّ صدور الفعل من الإنسان له صورٌ ثلاث :
الصورة الأولى : أن يصدر الفعل من الإنسان سواء اختار الإنسان ذلك الفعل أم لا ، وهو الجبر كما هو واضح .
الصورة الثانية : أن يصدر الفعل من الإنسان من خلال جعل الباري الإنسان مختاراً لذلك الفعل ، فالواجب تعالى يهيّئ جميع مقدّمات الفعل بنحو لابدّ أن يختار الإنسان ذلك الفعل . ومن الواضح أنّ هذه الصورة ترجع حقيقتها إلى الجبر ؛ لأنّ الواجب تعالى قد هيّأ مقدّمات الفعل بنحو لابدّ أن يكون صدور الفعل من الإنسان ضروريّاً ، وإن كانت إحدى مقدّمات الفعل اختيار الإنسان .
الصورة الثالثة : أن تتعلّق الإرادة الإلهيّة بصدور الفعل من الإنسان اختياراً ؛ لأنّه تعالى عالم منذ الأزل أنّ زيداً مثلًا سيختار ذلك الفعل .