ولو علم تعالى منذ الأزل أنّ زيداً سيختار غير ذلك الفعل ، لما تعلّقت إرادته تعالى بذلك الفعل . إذن تعلّق إرادته تعالى بالفعل الكذائي ؛ لأنّه تعالى علم منذ الأزل أنّ زيداً سيختار ذلك الفعل .
ولا يخفى أنّ مراد الحكماء من التعبير بكون الإنسان مختاراً هو الصورة الثالثة ، وهو تعلّق الإرادة الإلهيّة بالفعل الذي يختاره الإنسان ؛ لأنّه تعالى يعلم
منذ الأزل أنّ زيداً مثلًا سيختار ذلك الفعل ، وليس مرادهم من الاختيار الصورة الأولى ؛ لأنّها جبر ، ولا الصورة الثانية لأنّها ترجع في حقيقتها إلى الجبر أيضاً .
ومن الواضح أنّ علم الواجب تعالى بأنّ زيداً سيختار الفعل الكذائي ، لا يستلزم الجبر ، كما سيأتي توضيحه في هذا الفصل إن شاء الله تعالى .
مناقشة الدليل الثالث
الدليل الثالث الذي اعتمده المعتزلة هو أنّ الفعل لو كان مخلوقاً للباري تعالى ، لكان هو الفاعل وهو يتنافى مع تكليف الإنسان واستحقاقه للثواب والعقاب .
وقد ناقش المصنّف هذا الاستدلال بأنّه استدلال باطل ؛ لما تقدّم في البرهانين المتقدِّمين في أوّل الفصل ، اللذين ثبت فيهما أنّ الفعل مع أنّه مسند إلى الواجب تعالى فهو فعل للإنسان أيضاً ، لوجود الطوليّة بينهما ، بمعنى أنّ الواجب تعالى فاعل وموجد حقيقيّ ، أمّا الإنسان فهو فاعل معه بالاختيار ، وهذه الطوليّة بالنظر الدقيق على مبنى الحكمة المتعالية ، لا النظر البدوي .
أمّا على وفق مبنى المشّاء فإنّ الفعل كما ينسب إلى فاعله القريب وهو الإنسان ينسب كذلك إلى الواجب تعالى ؛ لأنّ علّة علّة الشيء علّة لذلك الشيء .
وبهذا يتّضح أنّ الفعل يُسند إلى الواجب تعالى وإلى الإنسان ولا يلزم من ذلك أيّ تنافٍ أو تدافع ، إذ الفعل الصادر من الإنسان له انتساب إلى الواجب