تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
بمعنى كونه تعالى الموجد والمُفيض له ، وينسب كذلك إلى الإنسان لأنّه المعدّ له على مبنى الحكمة المتعالية ، أو الفاعل القريب على المشاء .

مناقشة الدليل الرابع

وهو الذي استدلّ به المعتزلة من عدم إمكان كون أفعال الإنسان مخلوقة لله تعالى ؛ لأنّ أفعال الإنسان فيها شرور وقبائح تصدر منه ، فلو كانت مخلوقة لله تعالى للزم نسبة القبيح إلى الواجب تعالى . وقد ناقش المصنّف هذا الدليل بوجهين : الوجه الأوّل : الشرور الواقعة في هذا العالم ليست مقصودة بالذات ، وإنّما مقصودة بالقصد الثاني ؛ نتيجة تزاحم الموجودات المادّية في هذا العالم الذي خلق على وفق النظام الأحسن كما سيأتي بيانه وعلى هذا يلزم من هذا النظام المتزاحم وجود الخير الكثير مع الشرّ القليل ، فلو لم يخلق هذا الشرّ القليل ، فهذا يعني أن لا يخلق هذا النظام من الأساس ، وهو خلاف الحكمة الإلهيّة ، إذ إنّ الشرور القليلة ملازمة لوجود التزاحم في هذا النظام . ولا يخفى أنّ هذا الجواب ينسب لأرسطو الذي يفترض أنّ الشرور أمور وجوديّة لكنّها مقصودة بالتبع وبالقصد الثاني ، وسيأتي في الفصل الثامن عشر بيان ذلك مفصّلًا . الوجه الثاني : يبتني على أنّ الشرور أمور عدميّة ، وإذا كانت كذلك ، فهي ليست مخلوقة ؛ لأنّ العدم لا يحتاج إلى علّة ، فهي سالبة بانتفاء الموضوع . وملخّص هذا الوجه هو أنّ الوجود من حيث هو خير ، أمّا الشرور فهي ناشئة من تنزّلها إلى هذه النشأة المادّيّة ، فحين تنزل الموجودات إلى عالم المادّة تكون ذات حدود وتميّزات ، وهذه الحدود أمور عدميّة والعدم لا علّة له ، وهذا الجواب يرجع إلى أطروحة أفلاطون القائلة بعدميّة الشرور ، وسيأتي تفصيلها في الفصل الثامن عشر .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 158 | السيد كمال الحيدري