ذهبَ جمعٌ آخرُ من المتكلِّمينَ وهم الأشاعرةُ ومَن تبعَهم إلى أنّ كلّ ما هو موجودٌ غيرَ الواجبِ بالذاتِ من ذاتٍ أو صفةٍ أو فعلٍ ،
فهو بإرادةِ الواجبِ بالذاتِ من غيرِ واسطةٍ ، فالكلُّ أفعالُه ، وهو الفاعلُ لا غيرُ .
ولازمُ ذلك : أوّلًا : ارتفاعُ العلّيةِ والمعلوليّةِ من بينِ الأشياءِ ، وكونُ استتباعِ الأسبابِ للمسبّباتِ لمجرّدِ العادةِ ، أي إنّ عادةَ اللهِ جرتْ على الإتيانِ بالمسبّباتِ عقيبَ الأسبابِ ، من غيرِ تأثيرٍ مِن الأسبابِ في المسبّباتِ ولا توقّفٍ من المسبّباتِ على الأسبابِ .
وثانياً : كونُ الأفعال التي تُعدُّ أفعالًا اختياريّةً ، أفعالًا جبريّةً لا تأثيرَ لإرادةِ فواعلِها ، ولا لاختيارهِم فيها .
ويدفعُه : أنّ انتسابَ الفعلِ إلى الواجبِ تعالى بالإيجادِ ، لا ينافي انتسابَه إلى غيرِه من الوسائطِ ، والانتسابُ طوليٌّ لا عرضيٌّ كما تقدّمَ توضيحُه وحقيقةُ وساطةِ الوسائطِ ترجعُ إلى تقيّدِ وجودِ المسبّبِ بقيودٍ مخصّصةٍ لوجودِه ، فإنّ ارتباطَ الموجوداتِ بعضِها ببعضٍ عرْضاً وطولًا يجعلُ الجميعَ واحداً يتقيّدُ بعضُ أجزائِه ببعضٍ في وجودِه . فإفاضةُ واحدٍ منها إنّما يتمُّ بإفاضةِ الكلِّ ، فليستِ الإفاضةُ إلّا واحدةً ينالُ كلٌّ منها ما في وسعِه أن ينالَه .
وأمّا إنكارُ العلّيةِ والمعلوليّةِ بين الأشياءِ ، فيكفي في دفعِه ما تقدّمَ في مرحلةِ العلّةِ والمعلولِ من البرهانِ على ذلك ، على أنّه لو لم يكنْ بينَ الأشياءِ شيءٌ من رابطةِ التأثيرِ والتأثّرِ وكان ما نجدُه منها بينَ الأشياءِ
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 159
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٥٩