تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
يصحّ أن يقال إنّ الإنسان فاعل لفعله كذلك يصحّ أن يقال إنّ الواجب تعالى فاعل للفعل الصادر من الإنسان لأنّ علّة علّة الشيء علّة لذلك الشيء . الوجه الثاني : حاصله : أنّ إسناد الأفعال الاختياريّة إلى الإنسان مباشرةً وبالاستقلال وأنّ الإنسان يفعل ما يشاء وإن لم يرد الواجب ذلك الفعل تكويناً ، يلزم منه تحديد قدرة الواجب تعالى ، وهو ينافي ما تقدّم من كون قدرته تعالى من الصفات الذاتيّة اللامتناهية ، وإلى ذلك أشار صدر المتألّهين بقوله : « يلزمهم أنّ ما أراد ملك الملوك لا يوجد في ملكه ، وأنّ ما كرهه يكون موجوداً فيه ، وذلك نقصان شنيع وقصور شديد في السلطنة والملكوت ، تعالى القيّوم عن ذلك علوّاً كبيراً » « 1 » . مضافاً إلى أنّه يلزم منه تحديد الذات المقدّسة للواجب تعالى ، لأنّ القدرة من الصفات الذاتيّة وأنّها عين ذات الواجب تعالى ، وحيث إنّ ذاته المقدّسة بسيط الحقيقة غير مركّبة من الوجدان والفقدان ، فعلى هذا فلو كانت القدرة مقيّدة لكانت الذات المقدّسة مقيّدة أيضاً ، ومن ثمّ يخرج ذاته المقدّسة عن كونها صرفة بسيطة ، وهو باطل كما تقدّم . الوجه الثالث : إنّ دعوى المعتزلة من أنّ الإيجاد والمؤثّريّة ليست منحصرة بالواجب تعالى ، دعوى باطلة ؛ لما تقدّم في بداية هذا الفصل والفصل الثامن من المرحلة الثامنة من عدم وجود مؤثّر في الوجود إلّا الواجب تعالى ، وهو ما يعبّر عنه بوحدة الخالق ، وقد تقدّم البرهان على أن لا خالق مستقلّ إلّا الواجب تعالى . قال صدر المتألّهين : « ذهبت جماعة كالمعتزلة ومن يحذو حذوهم إلى أنّ الله تعالى أوجد العباد وأقدرهم على تلك الأفعال وفوّض إليهم الاختيار فهم مستقلّون بإيجاد تلك الأفعال على وفق مشيّتهم وطبق قدرتهم . . . لكنّهم غفلوا
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 370 .