قلت : هنالك فرقان بينهما :
الأوّل : أنّ المعتزلة يرون أنّ الفاعل المباشر للفعل كالإنسان مثلًا محتاج إلى الفاعل حدوثاً فقط لا بقاءً ، أمّا المشّاء فهم يرون أنّ الفاعل المباشر للفعل كالإنسان مثلًا محتاج إلى علّته حدوثاً وبقاءً . فالإنسان يفعل ما يشاء ، لكن بإرادة الواجب لذلك الفعل تكويناً ، لأنّ مناط الحاجة عندهم هو الإمكان ، وهو كامن في صميم وذات الموجودات الإمكانيّة سواء في حدوثها أو في بقائها ، فلا يمكن للإنسان أن يفعل فعلًا لا يريده الله تعالى تكويناً .
الثاني : على مبنى المشّاء : إنّ الإنسان المعلول للواجب تعالى وإن كان علّة لأفعاله الاختياريّة ، لابدّ أن يكون فعله معلولًا للواجب تعالى ؛ لأنّ علّة علّة
الشيء علّة لذلك الشيء كما تقدّم ، وهذا بخلاف المعتزلة الذين لا يرون أثراً لهذه العلّة الفاعلة ، فتكون علّة الفعل عندهم منحصرة بالإنسان فقط .
أدلّة إثبات نظريّة المعتزلة
استدلّ المعتزلة على مدّعاهم بثلاثة أدلّة :
الدليل الأوّل : سرّ حاجة الممكن إلى العلّة هو الحدوث فقط
حاصل هذا الدليل هو أنّ الشيء إذا حدث وتحقّق ، ارتفعت الحاجة إلى العلّة ، وعلى هذا الأساس فإنّ الإنسان بعد إيجاده لا يحتاج في بقائه في الوجود إلى العلّة ، وترتّب على ذلك أنّ الأفعال الصادرة من الإنسان تستند إليه استناداً تامّاً .
وقد استعان المعتزلة في إثبات دعواهم بعدد من الأمثلة الحسّية فذكروا مثال البناء والعمارات التي بناها البنّاؤون فإنّها تبقى سنين ممتدّة بعد الانتهاء من عمليّة البناء ، وكالجسور والطرق والمصانع ونحوها ممّا شاده المهندسون في مجالات متعدّدة ، فإنّه بعد الانتهاء من بنائها وصناعتها تبقى إلى أمد طويل