من دون علّة وسبب مباشر لها ، وهذا يكشف عن أنّ المعلول لا يحتاج في بقائه واستمراره في الوجود إلى علّة ، بل هو باق مع انتفاء علّته .
قال الشيخ الرئيس حاكياً لعقيدة المعتزلة : « وقد يقولون إنّه إذا أوجد فقد زالت الحاجة إلى الفاعل حتّى أنّه لو فقدَ الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجوداً كما تشاهدونه من فقدان البنّاء وقوام البناء ، وحتّى إنّ كثيراً منهم لا يتحاشى أن يقول : لو جاز على الباري تعالى العدم لما ضرّ عدمه وجود العالم لأنّ العالم عندهم إنّما احتاج إلى الباري تعالى في آن أوجده ( أخرجه من الوجود إلى العدم ) حتّى كان بذلك فاعلًا ، فإذا جعل وحصل له الوجود من العدم ،
فكيف يخرج بعد ذلك الوجود عن العدم حتّى يحتاج إلى الفاعل » « 1 » .
وقال صاحب المواقف : « إنّ المعتزلة استدلّوا بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد وهو أنّه لولا استقلال العبد بالفعل على سبيل الاختيار لبطل التكليف ، وبطل التأديب الذي ورد به الشرع ، وارتفع المدح والذمّ ، إذ ليس للفعل استناد إلى العبد أصلًا ، ولم يبق للبعثة فائدة ، لأنّ العباد ليسوا موجدين لأفعالهم ، فمن أين لهم استحقاق الثواب والعقاب » « 2 » .
ومن الجدِّير بالذكر أنّ هذا الدليل لم يذكره المصنّف هنا ، وإنّما ذكره في بداية الحكمة .
الدليل الثاني : الوجدان
أي إنّنا نرى بالوجدان أنّ أفعالنا تسند إلينا ، فإن شئنا فعلنا وإن لم نشأ لم نفعل .
هامش
( 1 ) الإشارات والتنبيهات ، للشيخ الرئيس ابن سينا ، المطبعة الحيدريّة ، النجف الأشرف ، 1403 ه : ج ، ص 68 ، وانظر الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 2 ص 203 .
( 2 ) شرح المواقف ، للقاضي عضد الدِّين عبد الرحمن الإيجي ، المتوفّى سنة 756 ه ، للمحقّق السيّد الشريف علي بن محمّد الجرجاني ، المتوفّى 812 ه ، ويليه حاشيتا السيالكوني والجلبي ، منشورات الشريف الرضي : ج 8 ص 154 .