نظريّة المعتزلة حول أفعال الإنسان الاختياريّة
ذهب المعتزلة ومَن تبعهم إلى أنّ أفعال الإنسان الاختياريّة تصدر منه مباشرةً وعلى نحو الاستقلال ؛ لأنّ الإنسان محتاج إلى الواجب تعالى في أصل وجوده وحدوثه وقدرته ، أمّا في مرحلة استخدام هذه القدرة في الفعل والترك فهو مستقلّ عن الواجب تعالى ، فالإنسان يستطيع أن يفعل ما يشاء وإن لم يرد الواجب ذلك الفعل تكويناً .
وقد أشار صدر المتألّهين إلى مبنى المعتزلة بقوله : « ذهبت جماعة كالمعتزلة ومن يحذو حذوهم إلى أنّ الله تعالى أوجد العباد وأقدرهم على تلك الأفعال
وفوّض إليهم الاختيار ، فهم مستقلّون بإيجاد تلك الأفعال على وفق مشيّتهم وطبق قدرتهم » « 1 » .
أمّا الفخر الرازي فقد أشار إلى ذلك عند استعراضه لما أطلق عليه بتفاصيل مذاهب الناس في باب خلق الأفعال بقوله : « والقول الرابع : إنّ المؤثّر في حصول الفعل هو قدرة العبد على سبيل الاستقلال . وهذا هو قول المعتزلة » « 2 » .
إذن فالمعتزلة يؤمنون بأنّ الواجب تعالى قد فوّض العباد في أفعالهم وحركاتهم على نحو الاستقلال بلا دخل لإرادة وسلطة أخرى ، فهم يفعلون ما يشاؤون من دون الاستعانة بقدرة الواجب تعالى .
إن قيل : إنّ الإنسان هو الخالق لأفعاله كما هو مذهب المعتزلة فما الفرق بين هذا المذهب وبين مذهب المشّاء الذين قالوا بأنّ الإنسان خالق لأفعاله أيضاً ؟
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ، ص 369 .
( 2 ) القضاء والقدر ، محمّد بن عمر الرازي ، طبعة دار الكتاب العربي : ص 3 .