تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
ذهبَ جمعٌ من المتكلِّمينَ وهمُ المعتزلةُ ومَن تبعَهم إلى أنّ الأفعالَ الاختياريّةَ مخلوقةٌ للإنسانِ ليسَ للواجبِ تعالى فيها شأنٌ ، بل الذي له أن يُقدرَ الإنسانَ على الفعل ، بأن يخلقَ لهُ الأسبابَ التي يَقدرُ بها على الفعلِ ، كالقوى والجوارحِ التي يتوصّلُ بها إلى الفعلِ باختيارِه الذي يصحّحُ له الفعلَ والتركَ ، فله أن يتركَ الفعلَ ولو أرادَه الواجبُ ، وأن يأتيَ بالفعلِ ولو كرهَه الواجبُ ، ولا صنعَ للواجب في فعلِه . على أنّ الفعلَ لو كان مخلوقاً للواجبِ تعالى ، كان هو الفاعلَ له دونَ الإنسانِ ، فلم يكنْ معنىً لتكليفِه بالأمرِ والنهيِ ولا للوعدِ والوعيدِ ، ولا لاستحقاقِ الثوابِ والعقابِ على الطاعةِ والمعصية ، ولا فعلَ ولا تركَ للإنسان . على أنّ كونَه تعالى فاعلًا للأفعالِ الاختياريّةِ وفيها أنواعُ القبائِح والشرورِ كالكفرِ والجحودِ وأقسامِ المعاصي والذنوبِ ، ينافي تنزّهَ ساحةِ العظمةِ والكبرياءِ عمّا لا يليقُ بها . ويدفعُه : أنّ الأفعالَ الاختياريّةَ أمورٌ ممكنةٌ ، وضرورةُ العقلِ قاضيةٌ أنّ ماهيّةَ الممكنِ متساويةُ النسبةِ إلى الوجودِ والعدم ، لا تخرجُ من حاقِّ الوسطِ إلى أحدِ الطرفينِ إلّا بمرجّحٍ يوجبُ لها ذلك ، وهو العلّةُ الموجبةُ والفاعلُ من العللِ ، ولا معنى لتساوي نسبةِ الفاعلِ التامِّ الفاعليّةِ الذي معه بقيّةُ أجزاءِ العلّةِ التامّةِ إلى الفعلِ والتركِ ، بل هو موجبٌ للفعلِ . وهذا الوجوبُ الغيريُّ منتهٍ إلى الواجبِ بالذات ،