يريد الفعل في نفسه ومن غير واسطة حتّى يبطل به اختيار فاعله وتسقط إرادته . وعلى الثاني للفعل استناد إليه تعالى من غير واسطة من جهة إحاطته به في مقامه ، كما أنّ له استناداً إلى فاعله الممكن ولا يلزم جبر ؛ لأنّ إحاطته تعالى بكلّ شيء إحاطة بما هو عليه ، والفعل الاختياري في نفسه اختياريّ ، فهو المحاط المنسوب إليه تعالى وإلى العبد ، هذا وقد ظهر بذلك أنّ المذهبين غير متدافعين » « 1 » .
نعم تختلف المعدّات فيما بينها ، فبعضها معدّ مختار كالإنسان ، وبعضها معدّ غير اختياريّ .
عدم التنافي بين إسناد الفعل الاختياري إلى الإنسان وإسناده إلى الواجب
يشير المصنّف هنا إلى المسألة الأساسيّة في البحث وهي عدم وجود التنافي بين إسناد الفعل الاختياري إلى الإنسان وبين إسناده إلى الواجب تعالى .
لكي يتّضح المطلوب لابدّ من بيان مقدّمة في أقسام المعدّات ، حيث تنقسم المعدّات إلى قسمين :
الأوّل : معدّات حقيقيّة غير اختياريّة ، كالنار مثلًا ، فإنّها علّة معدّة للاحتراق لكنّها علّة معدّة غير اختياريّة .
الثاني : معدّات اختياريّة كالإنسان في أفعاله الاختياريّة ، فإنّه علّة معدّة اختياريّة ، من قبيل السائق الذي يقود سيّارة لا محرّك لها وإنّما يدفعها إنسان آخر ، فدور السائق هو توجيه السيّارة بواسطة المقود ليهديها إلى حيث يشاء .
إذا اتّضحت هذه المقدّمة نقول : إنّ الإنسان مختار في فعله الاختياري ، فإذا اختار الفعل فإنّ الواجب تعالى يفيض على أساس ما اختاره وانتخبه ، فالاختيار للإنسان هو أنّه إذا شاء فعل وإذا لم يشأ لم يفعل .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ، ص 372 ، تعليقة رقم ( 2 ) .