وعلى هذا الأساس يتّضح أنّ ما يُطلق عليه بالعلل الفاعليّة في الوجود إنّما تكون معدّات تقرّب المادّة إلى إفاضة الفاعل الحقيقي وهو الواجب تعالى بإعدادها لقبولها ، ومنه يتّضح أنّ إطلاقهم الفاعل على غيره تعالى إنّما هو بحسب النظر البدوي لا النظر الدقّي ، كما سيأتي في البحث الآتي .
الفرق بين مبنى المشّاء ومبنى الحكمة المتعالية
أشار المصنّف إلى عدم وجود منافاة بين مبنى المشّاء القائل بالعلل الطوليّة وبين مبنى الحكمة المتعالية القائل بعدم وجود العلل الطوليّة وأنّ واجب الوجود هو الفاعل القريب لجميع الممكنات ؛ لأنّ الواجب تعالى فاعل بعيد على مبنى المشّاء هو بالنظر إلى نفس الممكنات وأنّ لها وجوداً مستقلًّا في نفسها ، وهذا النظر هو النظر البدوي الساذج .
أمّا على مبنى الحكمة المتعالية ، فلا يُرى للموجودات الإمكانيّة وجود مستقلّ في نفسها وإنّما هي روابط متعلِّقة بوجوده تعالى ، وهذا هو النظر الدقّي العميق لحقيقة وجود الممكنات .
أمّا السبب في عدم التنافي بين المبنيين ، فهو لأنّ النفسيّة للموجودات الإمكانيّة التي يقول بها المشّاء هي اعتباريّة ، أمّا كون الموجودات الإمكانيّة حقيقتها الربط ، كما تذهب إليه الحكمة المتعالية فهو أي الربط حقيقيّ ، ولا منافاة بين كون المعلول وجوداً رابطاً حقيقة ، وبين كونه وجوداً نفسيّاً اعتباريّاً .
وإلى ذلك أشار المصنّف في تعليقته على الأسفار بقوله : « فرق بينه وبين سابقه أنّ في المذهب السابق سلوكاً من طريق الكثرة في الوحدة ، وفيه سلوك من طريق الوحدة في الكثرة ، فعلى الأوّل للفعل استناد إلى فاعله القريب وإلى فاعل فاعله بواسطته ومن طريقه ، والانتساب طوليّ لا عرضيّ ، فلا تُبطل إحدى النسبتين الأخرى ، ولا يلزم الجبر الباطل ؛ لأنّ العلّة الأولى إنّما تريد صدور الفعل الاختياري عن اختيار فاعله المختار ، فلا يقع إلّا اختياراً ولا