مقرّبة للمعاليل إلى فيض المبدأ الأوّل وفاعل الكلّ ( تعالى ) .
هذا بالنظر إلى حقيقة الوجود الأصيلة المتحقّقة بمراتبها في الأعيان ، وأمّا بالنظر إلى ما يعتبره العقل من الماهيّات الجوهريّة والعرضيّة المتلبّسة بالوجود المستقلّة في ذلك ، فهو ( تعالى ) علّة تنتهي إليها العلل كلّها ، فما كان من الأشياء ينتهي إليه بلا واسطة فهو علّته ، وما كان منها ينتهي إليه بواسطة فهو علّة علّته ، وعلّة علّة الشيء علّة لذلك الشيء ، فهو ( تعالى ) فاعل كلّ شيء ، والعلل كلّها مسخّرة له » « 1 » .
الدليل الثاني . وهو يستند إلى مبنى الحكمة المتعالية ، ويعتمد على عدّة مقدّمات بعضها متّفق عليها بين مبنى المشّاء ومبنى الحكمة المتعالية :
المقدّمة الأولى : الوجود أصيل .
المقدّمة الثانية : الموجود إمّا واجب وإمّا ممكن .
لكن المقصود من الإمكان على مبنى الحكمة المتعالية ليس الإمكان
الماهوي ، وإنّما هو الإمكان الفقري ، فما سوى الواجب تعالى من الموجودات الإمكانيّة ، فهو عين الفقر والحاجة سواء كانت ذاتاً كالإنسان أم صفة كعلم الإنسان أم فعلًا كحركة الإنسان ، فالموجودات الإمكانيّة تتقوّم بالغني ذاتاً حدوثاً وبقاءً ، وهي وجودات رابطة لا استقلال لها في حدوثها وبقائها .
النتيجة : إنّ كلّ فعل يصدر في الوجود سواء كان اختياريّاً أم لا ، فهو فعل للواجب تعالى وهو علّته الفاعلة .
ومن الواضح أنّه في ضوء مبنى الحكمة المتعالية يكون الفاعل القريب والمباشر لكلّ شيء هو الواجب تعالى ، لأنّ ما سوى الواجب هو عين الفقر والحاجة والتعلّق بالغني بالذات الذي لا غنيّ غيره ، فلا واسطة بينه وبين غيره .
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، الفصل الثامن من المرحلة الثامنة : ص 176 .