وبين اهتزاز الشوق إرادة أخرى غير نفس ذلك الاعتقاد ، ففي العالم الوجوبي والصقع الربوبي ، يترتّب الجعل والإفاضة على نفس علمه سبحانه بالشيء ، وأنّه خيرٌ في نفسه وخليقٌ بنظام الوجود ، من غير أن يتوسّط بينهما شوق وهمامة وقصد واهتزاز .
فإذن ليس هناك إرادة أخرى وراء ذلك العلم الذي هو نفس مرتبة الذات ، فهو سبحانه بذاته يعلم الخيرات ويرضاها فيفعلها ويخلقها ويصنعها ويفيضها جوداً ورحمةً وطولًا وامتناناً ، فهو سبحانه في إرادته واختياره أعلى وأمجد من الاختيار الذي للمختارين من مفطوريه ومربوبيه » « 1 » .
وبهذا يثبت أنّ إسناد الإرادة إلى الواجب يكون على وجهين :
أحدهما : كصفة ذاتيّة أزليّة ، وهي حبّه الذاتي لذاته ولآثاره من حيث خيريتها .
ثانيهما : كصفة فعليّة حادثة ، وهي معنىً منتزع من مقام الفعل بالنظر إلى أنّ صدوره ليس جبريّاً عن كُره ، بل له منشأ في ذاته تعالى ، هو حبّه للخير وعلمه بوجه خيريّته .
وممّا تقدّم يتبيّن :
أوّلًا : أنّ الإرادة بمعنى الكيفيّة الحادثة الحالّة فيه لا يمكن إثباتها للواجب تعالى ، من هنا أرجع مشهور الحكماء الإرادة إلى العلم بالنظام الأصلح ، وهذا ما صرّح به الشيخ في إلهيّات الشفاء حيث أشار إلى وحدتهما مفهوماً في مورد الواجب تعالى ، قال : « فواجب الوجود ليست إرادته مغايرة الذات لعلمه ، ولا مغايرة المفهوم لعلمه ، فقد بيّنا أنّ العلم الذي له بعينه هو الإرادة التي له » « 2 » .
وهذا ما ناقش فيه المصنّف حيث قال : « إنّه أشبه بالتسمية » .
هامش
( 1 ) كتاب القبسات ، مصدر سابق : ص 322 .
( 2 ) الإلهيّات من كتاب الشفاء ، الفصل السابع من المقالة الثامنة : ص 394 .