تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
ظنّيّاً أو تخيليّاً أو علميّاً ، أنّ فيه صلاحاً أو منفعةً أو محمدة ومنقبة ، وبالجملة خيريّة ما بالقياس إلى جوهر ذاتنا أو بالقياس إلى قوّة مّا من قوانا ، فينبعث من ذلك شوق إليه . فإذا قوي الشوق وتأكّد الإجماع ، اهتزّت القوّة الشوقيّة والإرادة المتجدّدة أي الإجماع المنبعث منها ، فحرّكنا القوّة المحرّكة التي في العضلات ، وهنالك تتحرّك الأعصاب والأعضاء الأَدَوية ، ثمّ محرّك الآلات الخارجة إلى تحصيله . والحاصل فإنّ المعنى الذي هو فينا إدراك الفعل وإدراك وجه الخير فيه ، غير المعنى الذي هو سبيل تحصيله ، وهو الشوق ومرتبته المتأكّدة التي هي الإجماع والإرادة ، إذ إنّها أفعالنا بالآلات ، وهي ليست تتحرّك إلّا بالشوق ، وما به رضانا بالفعل هو معرفتنا الوجه الخير العائد إلينا فيه . فأمّا القيّوم الحقّ سبحانه ، فإذ جلَّ جنابه عن أن يكون فعله بالآلة ، وعن أن تتصوّر له خيريّة مّا غير حاصلة له في مرتبة ذاته بذاته ، إذ ليس يُعقل أن يستكمل ويتجمّل أو يهتزّ ويبتهج ذاته بمعنى مّا هو وراء مرتبة ذاته ، فلا محالة ليس يصحّ أن يكون له شوق إلى شيء أصلًا . فإذن ما به رضاه بمقدوراته ومجعولاته ، هو نفس علمه بها ، وبأنّها خيرات في أنفسها ، لا بأنّ لها خيريّة مّا عائدة إليه ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً . وهذا العلم هو بعينه ذاته الحقّ بالفعل من كلّ جهة ، وهو عين الإرادة والاختيار . فإذن هو سبحانه شاء بنفس مرتبة ذاته ، وبعلم هو نفس مرتبة ذاته ، لا بهمامة ومشيئة تعرض ذاته ، ومعنىً واحدٌ منه ، هو ذاته وعلمه بذاته هو إدراك المجعولات والعلم بوجه الخير فيها ، وهو السبيل إلى الجعل والصنع والإبداع والإفاضة . فكما فينا تترتّب حركة القوّة الشوقيّة على نفس تصوّرنا الشيء واعتقادنا أنّه نافع أو صواب بالقياس إلينا ، من دون أن يتوسّط بين التصوّر والاعتقاد