القول الثاني
: وهو ما اختاره المصنّف من أنّ الموجودات المادّية معلومة للواجب تعالى بوجوداتها المجرّدة ، وقد تقدّم في المرحلة الحادية عشرة أنّ هنالك عوالم أخرى فوق عالم المادّة وهي عالم المثال المجرّد عن المادّة دون آثارها ، وعالم العقل المجرّد تجرّداً تامّاً ذاتاً وفعلًا ، كما أشار إلى ذلك المصنّف بقوله : « إنّ للوجود الإمكاني وهو فعله تعالى انقسامات ، منها : انقسامه إلى مادّي ومجرّد ، وانقسام المجرّد إلى مجرّد عقليّ ومجرّد مثاليّ . وأشرنا هناك إلى أنّ عوالم الوجود الكلّية ثلاثة : عالم التجرّد التامّ العقلي ، وعالم المثال ، وعالم المادّة والمادّيات . فالعالم العقلي مجرّد تامّ ذاتاً وفعلًا عن المادّة وآثارها ، وعالم المثال
مجرّد عن المادّة دون آثارها من الأشكال والأبعاد والأوضاع وغيرها » « 1 » . وعلى هذا الأساس فإنّ الواجب تعالى يعلم الموجودات المادّية من خلال وجودها المجرّد المثالي أو العقلي ، لا بوجوداتها المادّية .
والدليل على ذلك ما تقدّم من أنّ العلم هو حضور أمر مجرّد لأمر مجرّد ، وعلى هذا فلا يمكن للموجودات المادّية أن تكون حاضرة ومعلومة للواجب تعالى ، وهذا لا يعني نقص في علم الواجب تعالى أو عجز في قدرته تعالى على العلم بذلك ؛ لأنّ مرجع ذلك هو عدم قابليّة الموجودات المادّية لتكون حاضرة عند الواجب بوجوداتها المادّية الخارجيّة .
قال صدر المتألّهين : « إنّ أكثر الأقوام ذاهلون عمّا حقّقناه من أن لا حضور لهذه المادّيات والظلمات عند أحد ولا انكشاف لها عند مباديها إلّا بوسيلة أنوار علميّة متّصلة بها هي بالحقيقة تمام ماهيّاتها الموجودة بها » « 2 » .
وقال السبزواري في تعليقته على الأسفار : « وإن سألت عن الحقّ فأقول عدم كون هذه المادّيات والظلمات أنواراً علميّة إنّما هي بالنسبة إلينا ، وأمّا
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، الفصل التاسع عشر من المرحلة الثانية عشرة : ص 313 .
( 2 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 164 .