المسألة الثالثة : علم الواجب بالأشياء قبل الإيجاد إجمالي في عين الكشف التفصيلي
ليس المراد من العلم الإجمالي هو العلم المبهم ، لأنّه من المُحال أن يكون مبهماً ومفصّلًا في آن واحد ، وإنّما المقصود منه هو العلم البسيط غير المركّب ، ومثّلوا له بما إذا سألك سائل عن عدّة من المسائل التي لك بها علم فحضرك الجواب في الوقت وأنت في أوّل لحظة تأخذ في الجواب تعلم بها جميعاً علماً يقينيّاً بالفعل ، لكن لا تميّز لبعضها من بعض ولا تفصيل ، وإنّما يحصل التميّز والتفصيل بالجواب ، كأنّ ما عندك من بسيط العلم منبع تنبع وتجري منه التفاصيل ، ويسمّى : ( عقلًا إجماليّاً ) « 1 » فهو من جهة علمٌ إجمالي فيه كلّ التفاصيل ؛ لأنّ المجتهد قبل أن يُجيب عن الأسئلة يكون لديه علمٌ إجمالي ، ولكن بعد أن يسأل فإنّه يُجيب بالتفاصيل . فالعلم الإجمالي هو الأصل والعلوم التفصيليّة فروعه وآثاره .
وبهذا يتّضح الفرق بين العلم الإجمالي والتفصيلي الفلسفي ، والعلم الإجمالي والتفصيلي في علم الأصول ، فإنّ العلم الإجمالي عند الأصوليّين يرجع في الحقيقة إلى علم من جهة وجهل من جهة أُخرى ، لأنّه علم بصورة كلّية كالعالم بنجاسة أحد الإنائين مثلًا وجهل بأيّ من الإنائين بعينه ، وكلّما ازدادت أطراف العلم الإجمالي ازداد الإبهام والجهل .
أمّا العلم الإجمالي الفلسفي فهو علمٌ بسيط فيه جميع تفاصيل العلم التفصيلي ، فهو مصدرها ومنبعها والخلّاق لها .
كما أنّ العلم التفصيلي في علم الأصول هو العلم الذي يتميّز بكونه أقوى من العلم الإجمالي الأصولي ، بخلاف العلم التفصيلي الفلسفي فإنّه أضعف من العلم الإجمالي الفلسفي ، لأنّه متفرّع عليه .
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، الفصل الخامس من المرحلة الحادية عشرة ، مصدر سابق : 248 .