قال صدر المتألّهين : « فإذا تمهّدت هذه الأصول فنقول : الواجب تعالى هو المبدأ الفيّاض لجميع الحقائق والماهيّات فيجب أن يكون ذاته تعالى مع بساطته وأحديّته كلّ الأشياء . ونحن قد أقمنا البرهان في مباحث العقل والمعقول على أنّ البسيط الحقيقي من الوجود يجب أن يكون كلّ الأشياء ، وإن أردت الاطّلاع على ذلك البرهان فارجع إلى هناك .
فإذن لمّا كان وجوده تعالى وجود كلّ الأشياء فمن عقل ذلك الوجود عقل جميع الأشياء وذلك الوجود هو بعينه عقل لذاته وعاقل ، فواجب الوجود عاقل لذاته بذاته ، فعقله لذاته عقل لجميع ما سواه وعقله لذاته مقدّم على وجود جميع ما سواه ، فعقله لجميع ما سواه سابق على جميع ما سواه .
فثبت أنّ علمه تعالى بجميع الأشياء حاصل في مرتبة ذاته بذاته قبل وجود ما عداه ، سواء كان صوراً عقليّة قائمة بذاته أو خارجة منفصلة عنها . فهذا هو العلم الكمالي التفصيلي بوجه والإجمالي بوجه ؛ وذلك لأنّ المعلومات على كثرتها وتفصيلها بحسب المعنى موجودة بوجود واحد بسيط . ففي هذا المشهد الإلهي والمجلى الأزلي ينكشف وينجلي الكلّ من حيث لا كثرة فيها فهو
الكلّ في وحده » « 1 » . وأشار المصنّف في تعليقته على برهان صدر المتألّهين بقوله : « بيان مبنيّ على قاعدة بسيط الحقيقة كلّ الأشياء السابق ذكرها » « 2 » .
إذن الواجب تعالى عالم بالأشياء قبل إيجادها .
ولا يخفى أنّ علم الواجب بذاته وعلمه بالأشياء قبل إيجادها في مقام ذاته هو علم واحد لا علمان ، وبذلك ترجع هاتان المسألتان علمه تعالى بذاته وبغيره قبل الإيجاد إلى مسألة واحدة . وستأتي مناقشة الأقوال الأخرى في نهاية الفصل .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 269 .
( 2 ) تعليقة العلّامة الطباطبائي على الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 6 ص 270 .