ومَن تبعه في نفي العلم السابق على الإيجاد ، فإذا كان حال هذين الرجلين مع فرط ذكائهما وشدّة براعتهما وكثرة خوضهما في هذا الفنّ هذا الحال ، فكيف حال من دون هؤلاء من أهل الأهواء والبدع وأصحاب الجدل في الكلام والبحث مع الخصام ؟
ولأجل ما ذكرناه من الصعوبة والإشكال أنكر بعض الأقدمين من الفلاسفة علمه تعالى بشيء من الموجودات غير ذاته وصفاته التي هي عين ذاته ، كما أنّ منهم من نفى علمه بشيء أصلًا بناءً على أنّ العلم عندهم إضافة بين العالم والمعلوم ولا إضافة بين الشيء ونفسه أو صورة زائدة على ذات المعلوم مساوية له فيلزم تعدّد الواجب ، وإذا لم يعلم ذاته لم يعلم غيره ؛ إذ علم الشيء بغيره بعد علمه بذاته ، فقد ضلّوا ضلالًا بعيداً وخسروا خسراناً مبيناً » « 1 » .
وقال الشيخ مصباح اليزدي : « هذه المسألة ( علم الواجب ) من أغمض المسائل الحكميّة ، وقد بذل كبار الفلاسفة والمتكلّمين جهوداً وافرة لتبيينها ، وعقدوا مسائل كثيرة في باب العلم تمهيداً لحلّها ، كالعقل الإجمالي ، والعلم الكلّي الحاصل من الأسباب قبل تحقّق مسبّباتها ، وغيرها ممّا ركّز عليه الشيخ في كتبه ، ويكفيك نموذجاً جليّاً لهذه الجهود ما ترى في كتاب
التعليقات « 2 » ، حيث عالج هذه المسألة مرّة بعد أُخرى ، ممّا يشكّل قسماً من هذا الكتاب . ولهم أقوال عديدة ، ومباحثات طويلة ، ومناقشات عنيفة ، تعرّض لبعضها صدر المتألّهين « 3 » وتصدّى للمحاكمة بينها ، وقد مهّد نفسه مقدّمات « 4 » لتوضيح ما اختاره من العلم الإجمالي في عين الكشف التفصيلي ، ممّا يعدّ أروع منتوج
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 179 .
( 2 ) انظر التعليقات للشيخ الرئيس : ص 29 27 ، 75 ، 93 92 ، 137 ، 142 ، 180 .
( 3 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 6 ص 169 .
( 4 ) انظر المصدر نفسه : ج 6 ص 168 149 .