الخارج ولا في الذهن ، فكلّ ما هو أقوى وجوداً وأشدّ تحصّلًا وأرفع ذاتاً من النقائص والقصورات فيكون أتمّ عقلًا ومعقولًا وأشدّ عاقليّة لذاته .
فواجب الوجود لمّا كان مبدأ سلسلة الوجودات المترتّبة في الشدّة والضعف والشرف والخسّة من العقليّات والحسّيّات والمبدعات والمكوّنات ، فيكون في أعلى مراتب شدّة الوجود وتجرّده ويكون غير متناهٍ في كمال شدّته ، وغيره من الموجودات وإن فرض كونها غير متناهية في القوّة بحسب العدّة والمدّة لكنّها ليست بحيث لا يمكن تحقّق مرتبة أخرى في الشدّة هي فوقها .
فواجب الوجود لكونه فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى كان وزان عاقليّته لذاته على هذا الوزان ، فنسبة عاقليّته في التأكّد إلى عاقليّة الذوات المجرّدة لذواتها كنسبة وجوده في التأكّد إلى وجودها . فعلم الموجود الحقّ بذاته أتمّ العلوم وأشدّها نوريّةً وجلاءً وظهوراً ، بل لا نسبة لعلمه بذاته إلى علوم ما سواه بذواتها ، كما لا نسبة بين وجوده ووجودات الأشياء « 1 » .
المسألة الثانية : علم الواجب بغيره قبل الإيجاد
لا يخفى أنّ مسألة علم الواجب بغيره قبل الإيجاد من المسائل التي استحوذت على اهتمام الفلاسفة ، حيث برزت اتّجاهات متعدّدة وأقوال مختلفة
إزاءها ، وقد استعرض صدر المتألّهين تاريخ هذه المسألة من العهد اليوناني انتهاءً بالقرن الهجري العاشر « 2 » .
وقال صدر المتألّهين في بيان صعوبة هذه المسألة : « ولصعوبة دركها وغموضه زلّت أقدام كثير من العلماء حتّى الشيخ الرئيس ومَن تبعه في إثبات علم زائد على ذات الواجب وذوات الممكنات ، وحتّى شيخ أتباع الرواقيّين
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 174 .
( 2 ) المصدر نفسه : ج 6 ص 180 . انظر المباحث المشرقيّة للفخر الرازي ، مصدر سابق : ج 1 ص 491 .