بعد بيان هذه المقدّمات ، سوف نلج في مسائل هذا الفصل :
المسألة الأولى : علم الواجب تعالى بذاته في مرتبة ذاته
اقتصر المصنّف على برهان واحد لإثبات أنّ الواجب تعالى يعلم ذاته بذاته . وهو يتألّف من مقدّمتين :
الأولى
: أنّ الواجب تعالى وجودٌ مجرّد .
وهذا ما ثبت في الأبحاث السابقة .
الثانية
: كلّ مجرّد فهو عاقل لذاته .
كما تقدّم في المرحلة الحادية عشرة ، حيث قال : « كلّ مجرّد فإنّه عقل وعاقل ومعقول . أمّا إنّه عاقل ؛ فلأنّه لتمام ذاته وكونه فعليّة محضة لا قوّة معها ، يمكن أن يوجد ويحضر لشيء بالإمكان ، وكلّ ما كان للمجرّد بالإمكان فهو له بالفعل فهو معقول بالفعل . وإذ كان العقل متّحداً مع المعقول فهو عقل ، وإذ كانت ذاته موجودة لذاته فهو عاقل لذاته ، فكلّ مجرّد عقل وعاقل ومعقول . وإن شئت فقل : ( إنّ العقل والعاقل والمعقول مفاهيم ثلاثة منتزعة من وجود واحد ) والبرهان المذكور آنفاً كما يجري في كون كلّ مجرّد عقلًا وعاقلًا ومعقولًا لنفسه ، يجري في كونه عقلًا ومعقولًا لغيره » « 1 » .
النتيجة
: أنّ الواجب تعالى عالمٌ بذاته .
قال صدر المتألّهين : « إنّ حقيقة العلم لمّا كان مرجعها إلى حقيقة الوجود بشرط سلب النقائص العدميّة وعدم احتجاب الملابس الظلمانيّة ، وثبت أنّ كلّ ذات مستقلّة الوجود مجرّدة عمّا يلابسها فهي حاصلة لذاتها فتكون معقولة لذاتها ، وعقلها لذاتها هو وجود ذاتها لا غير ، وهذا الحصول أو الحضور لا يستدعي تغايراً بين الحاصل والمحصول له والحاضر والذي حضر عنده ، لا في
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : ص 260 .