تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠

إشكال وجواب

حاصل هذا الإشكال هو أنّ التدافع ولزوم الفساد يحصل فيما لو لم يتوافق الأرباب على نظام واحد ، فما المانع من أن يتوافق الأرباب على النظام الجاري في العالم بقيام كلّ واحد منهم بتدبير جزء من العالم . وقد يُجاب على هذا الإشكال بأنّ فرض توافق الأرباب على تدبير كلّ منهم لجزء من العالم لا يتلاءم مع وجوبهم بالذات ؛ لأنّ الواجب بالذات واجب من جميع الجهات ، فلا يصحّ تعطيل بعض أفعاله لأجل الآخرين . لكن للمستشكل أن يقول : يمكن أن نفرض الأرباب مخلوقين للواجب بالذات ، إذ ليس بالضرورة أن يكون الأرباب واجبين بالذات ، بل يمكن أن يكونوا مخلوقين ، وعلى هذا الأساس فإنّ هؤلاء الأرباب عقلاء عالمون بأفعالهم ، كما يلمس ذلك من الإتقان الموجود في عالمنا المشهود ، مضافاً إلى ما تؤيّده البراهين الفلسفيّة من أنّ علّة هذا العالم وجودات مجرّدة عالمة ، ولعلمها دخْل في تدبير أفعالها ، لا أنّها فاعلة بالطبع لا تعلم بفعلها . وإذا كان الأمر كذلك ، فما المانع من توافق الأرباب وتواطئهم على أن يخلق كلّ واحد منهم جزءاً من العالم ويتولّى تدبيره بشكل يتلاءم مع أفعال بقيّة الأرباب ، بحيث يحصل من هذا التوافق نظام واحد لا فساد فيه ، ومن ثمّ تكون وحدة النظام كاشفة عن وحدة التدبير لا عن وحدة المدبّر والربّ . والجواب عن ذلك : إنّ العلم الموجود عند الأرباب العقلاء إن كان علماً حصوليّاً فهو لا يفيد ؛ لأنّ العلم الحصولي تابع لوجود المعلوم خارجاً وهو النظام الكوني ، فلا يمكن أن يصدر هذا النظام على أساس العلم المتأخّر ؛ لأنّ علم الأرباب المؤثّر في فعلهم هو العلم السابق لوجود النظام لا العلم المتأخّر عنه ؛ إذ من المستحيل أن يتأثّر الفاعل في فعله بالعلم الحصولي المنتزع من فعله المتأخّر عنه .